اختراق طلاب يهود في جامعة فرنسية: هل تجاوز التضامن مع فلسطين حدود القانون؟

الملاحظ نورة حكيم ( صحفية متدربة)

في مشهد جديد يعكس التوترات المتصاعدة بين حرية التعبير والقيود القانونية المرتبطة بخطابات الكراهية والقرصنة الإلكترونية، دان القضاء الفرنسي، الأسبوع الماضي، طالباً مغربياً بتهمة اختراق النظام المعلوماتي لجامعة “باريس-دوفين”، وتعديل بيانات طلاب يهود، تضامناً مع القضية الفلسطينية.

تعود تفاصيل القضية إلى تاريخ 7 أكتوبر 2024، حيث تزامن الهجوم المعلوماتي مع ذكرى اندلاع الصراع الأخير بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل. في تلك الليلة، تفاجأ عدد من الطلبة اليهود في جامعة دوفين بتغيير صورهم الشخصية داخل المنصة الرقمية الجامعية، حيث استُبدلت بشعارات سياسية من بينها “Free Palestine” وعلم فلسطين.

الجهات الأمنية الفرنسية لم تتأخر في تعقّب المهاجم. وبعد تحقيق تقني معمق دام قرابة خمسة أشهر، توصلت إلى هوية الطالب المشتبه به: “م.ل”، شاب مغربي-فرنسي، يدرس الماستر في تخصص علوم الحاسوب بنفس الجامعة.

أمام الغرفة الجنائية بمحكمة باريس، وُجّهت للمتهم تهم ثقيلة، من بينها:

  • الولوج غير المشروع وتعديل بيانات شخصية ضمن نظام إلكتروني مؤسسي.
  • استهداف أفراد على أساس الدين، ما يندرج قانوناً ضمن الجرائم ذات الطابع المعادي للسامية.

النيابة العامة طالبت بعقوبة 5 أشهر سجناً مع وقف التنفيذ، بالإضافة إلى إلزامه بالمشاركة في دورة توعوية داخل متحف الشوهدة، بهدف “إعادة التأهيل المدني” ومواجهة النزعات التحريضية، حسب التعبير الرسمي.

ورغم أن الحكم لم يتضمن عقوبة حبس فعلية، إلا أن تصنيف القضية كجريمة ذات دافع ديني يُعد سابقة خطيرة تُظهر كيف يمكن للتعبير السياسي أن يُواجه بأدوات القانون الجنائي إذا ما تم في فضاءات غير محمية قانونياً.

منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، ارتفعت وتيرة التضامن مع فلسطين في الأوساط الطلابية الأوروبية، لكن هذا التضامن أصبح محاصراً داخل شبكات قانونية مشددة، خصوصاً عندما يتقاطع مع ملفات حسّاسة كـ”السامية” أو أمن البيانات.

المتهم دافع عن نفسه بالقول إن العملية كانت “رد فعل غاضب على المجازر في غزة”، وإنه لم يكن يستهدف الضحايا بسبب ديانتهم، بل اختارهم بسبب تفاعلهم مع صفحة جمعية طلابية مؤيدة لإسرائيل. لكنه اعترف بتعديل صورهم دون إذن، وهو ما يُعد جنحة جنائية وفق القانون الفرنسي.

ورغم أن السياق السياسي لا يبرر الجريمة القانونية، إلا أن غياب الأفق لتمثيل سياسي سلمي للقضية الفلسطينية داخل المؤسسات الفرنسية يدفع بعض الطلاب، كما يقول مراقبون، إلى أساليب “افتراضية احتجاجية” قد تجرّ عليهم تبعات قضائية قاسية.

من جانب آخر، طرحت الحادثة أسئلة حادة حول أمن المنصات الجامعية، إذ كيف لطالب داخلي أن يخترق نظاماً معلوماتياً رسمياً دون أن يُرصد فوراً؟ وكيف تُدار بيانات آلاف الطلاب دون ضمانات حماية صارمة، رغم الإطار الصارم للائحة حماية البيانات الأوروبية (RGPD)؟

إن هذه الثغرات لا تحمّل الطالب وحده المسؤولية، بل تشير إلى خلل مؤسساتي في البنية الرقمية للجامعات الفرنسية، ما يستوجب مراجعة فورية للأنظمة المعلوماتية داخل القطاع التعليمي.

القضية لم تكن تقنية فقط، بل سياسية وأخلاقية في جوهرها. فقد وضعت الطالب المغربي بين مطرقة القانون وسندان الضمير، وطرحت أمام المجتمع الفرنسي معضلة شائكة: هل يمكن أن يكون التضامن السياسي جريمة؟ وهل يُمكن للنية أن تُعفي من العقوبة، إذا ما تم الفعل في فضاء يجرّمه القانون صراحةً؟

الواقعة تدفعنا إلى إعادة التفكير في حدود حرية التعبير في السياقات الأكاديمية، وإلى ضرورة فتح نقاش عام حول طرق التعبير عن القضايا العادلة، دون الوقوع في منزلقات قانونية قد تُحوّل المدافعين عن حقوق الشعوب إلى “مجرمين رقميين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist