من منا لا يتذكر السيدة كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية في عهد جورج بوش وهي تدعو الى أهمية “الفوضى الخلاقة” وتحديدا بالشرق الأوسط والعالم العربي بصفة عامة، وكأن هذه المنطقة كتب عليها ان تكون حقل التجارب السياسية على اختلاف طبيعتها ومنابعها الايديولوجية وأهدافها الاستراتيجية على مدى المتوسط.
و”الفوضى الخلاقة” التي توصلت اليها معاهد الاستراتيجيات السياسية والجامعات المتخصصة في الولايات المتحدة لم تكن مجرد دراسات واستنتاجات استكشافية لما تعرفه تلك المنطقة من تحول ديموغرافي ومعرفي واقتصادي، قد يتحول في عهد ما إلى نقيض ما يأمله القطب الغربي وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تحديدا وهي التي تشكل عين الرقيب في هذه المنطقة القابلة لكل أصناف التحول والتغيير حتى وإن تطلب ذلك تدخلات عسكرية مدعومة بقوانين من مجلس الأمن وما شابه ذلك من المؤسسات الفاعلة في هكذا حالات “العراق، ليبيا ،لبنان سوريا…”.
و”الفوضى الخلاقة”من زاوية ثانية تركز على خلفيات سياسية صرفة اذ يعت علنا على لسان السيدة كوندليزارايس خلال زيارة لها للبنان وبعض الدول الشرق اوسطية.
والمعنى السياسي لهذه الفوضى التخلص من الاستبداد في العالم العربي وهى اشارة الى بعض الدول التي كانت تعارض السياسة الامريكية بالمنطقة وخاصة دعمها المطلق لاسرائيل.
ومن هذا المنطلق وغيره، انطلقت هذه الفوضى بما يسمى بالديمقراطيات الناعمة والتي يمكنها ان تنقل تلك الشعوب العربية المستهدفة الى عهد جديد مبني على أسس جديدة ومن منطلقات وخلفيات الغرض منها الهيمنة على مقدرات تلك الشعوب الاقتصادية والاستراتيجية والحد من تطلعاتها. وبمعنى اخراخضاعها كليا للهدف الاسمى للولايات المتحدة الامريكية الا هو تقسيم هذه الدول الى دوليات مبنية على البعد الدينيى والعرقي والاثني بصفة عامة كما هو الحال مع العراق ودول اخرى كانت من بين الاقطار التي سقطت في فخ ما سمي بالربيع العربي وهو الاخر واحد من الشعارات التي حملتها الفوضى الخلاقة، التي تحولت مضامينها من أحلام يقضة الى كابوس اجبر مجتمعاتنا العربية المنخدعة على العيش في حالة من التشردم السياسي اصاب كل تطلع للمستقبل، وبناء افاق جديدة تحت شعارات جديدة كما هو الحال مع الديمقراطية الجديدة للتخلض من الاستبداد السياسي كما هو الحال مع العراق وليبيا، لكن الاكيد ان الانتقال من مرحلة لاخرى سرعان ماشابها الغموض لتفقد “الفوضى الخلاقة” بوصلة التغيير الجدي والجذري، لتسود الفوضى داخل كيانات سياسية لها حمولة ان لم تكن طائفية فهي على مرمى التدخلات الخارجية. وهذا ماجعل اقطار عربية بعينها تعيش على ايقاع التناحر والدخول في حرب أهلية ساهمت في تعطيل عجلة التخلص من هذه الفوضى ومن تداعياتها العامة.
ومن هنا فلا شرق اوسط جديد ظهر ونما وتحرر من رواسب الماضي، ولافوضى خلاقة مكنته من تحديد وجهة عقارب الديمقراطية المنشودة، ولا الربيع العربي الذي انجبته تلك الفوضى الخلاقة استطاع ان يخلق قوى صاعدة قادرة على تقزيم “الاستبداد” وتشذيب فروعه، وتجفيف منابعه… بل كل ماحدث هوتعويض الاستبداد بإستبداد ناعم، يحمل عناوين جديدة تخفي ورائها معالم صراع محتدم ومميت بين القوى العالمية التقليدية الساعية الى تأسيس القطب الواحد، فيما قادة هذه شعوب بعينها لازالت الى اليوم مؤمنة بقدرها وكأنها استسلمت له طواعية، فيما الافق لازال في نفق شبه معدوم.
ان الأبعاد العامة للصراع في الشرق الاوسط لا يمكن استيعابه الا في ابعاده التاريخية والسياسية، وان كان بعض المحللين عادة ما يحاولون تجاهل التاريخ خوفا من اكتشاف حقائق موضوعية قد تعيق اهدافهم الحقيقية من وراء هذا التصادم في منطقة كانت تنعم بالسلمين الاجتماعي والسياسي والتسامح ونبذ الكراهية. لتنقلب هذه المفاهيم مع الانتداب البريطاني ووعد بلفوروظهور الحركة الصهيونية وما اقترفته من جرائم في حق الفلسطينيين وما فرضته من حروب لازال التاريخ الحديث يحتفظ لهم بالصوت والصورة ما اقترفوه من أحداث مؤلمة يحاول اصحاب “الفوضى الخلاقة” استئصالها وتعويضها بصور مغلوطة عن واقع حال منطقة الشرق الاوسط، وما يعرفه من توتر لايمكن التخلص منه الا من خلال فهم عميق لأسبابه وخلفياته التاريخية التي غالبا ما تحاول الدول الكبرى تجاهلها، شعب فلسطيني شرد من بلده وماخفي اعظم…
وشعوب بذات المنطقة حاولت ان تستفيق من سباتها وتسارع الزمن من اجل تحديث دواليبها الاجتماعية والاقتصادية والمالية ولم لا السياسية، لكنها سرعان ماوجدت نفسها على قائمة الدول المستبدة والمارقة، وماعليها الا الخضوع للفوضى الخلاقة في صيغها الجديدة، لكنها فوضى قاتلة ومبيدة لكل ارادة شعبية ولكل رغبة في التطوروالتخلص من رواسب الماضي. فلاغرابة في ذلك، ما دام لأصحاب الفوضى الخلاقة السابقة واللاحقة الحق في بناء مستقبل الدول وعلى مقاس ماتريده وترغب فيه، وليس لرغبة شعوب المنطقة واراداتها السياسية.