الملاحظ نورة حكيم ( صحفية متدربة )
يشهد المغرب تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، حيث ينتقل من موقع المتلقي للمساعدات والدعم التقني إلى موقع الشريك الفاعل والمزود الموثوق للحلول، خاصة في مجالات التكنولوجيا النظيفة والطاقات المتجددة. هذا التحول ينسجم مع رؤية شاملة يقودها صناع القرار في البلاد، وعلى رأسهم وزارة الصناعة والتجارة، التي باتت تلعب دورًا محوريًا في صياغة هذا النموذج التنموي الجديد.
خلال لقاء احتضنته إقامة السفير الألماني بالرباط، يوم الأربعاء 16 يوليوز 2025، أبرز وزير الصناعة والتجارة، السيد رياض مزور، أهمية موقع المغرب المتقدم في سلسلة القيمة العالمية للهيدروجين الأخضر، مؤكدًا أن بلاده لم تعد فقط تبحث عن نقل التكنولوجيا، بل أصبحت تقدم حلولًا مبتكرة تتماشى مع متطلبات المرحلة الانتقالية العالمية نحو اقتصاد منخفض الكربون.
الهيدروجين الأخضر، الذي يُنتج باستخدام الطاقة المتجددة، يُعد حلاً واعدًا لتحقيق الحياد الكربوني، وهو ما تسعى إليه عدة دول أوروبية، بما فيها ألمانيا، الشريك الاستراتيجي للمغرب في هذا المسار. وقد خطى المغرب خطوات مهمة في هذا الإطار، من خلال “بنك المشاريع” الذي أطلقته الوزارة لتفكيك سلاسل القيمة وتحديد المجالات ذات الأولوية، لاسيما في ميدان الطاقة.
بحسب تقارير البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية، فإن المغرب يتمتع بإمكانيات هائلة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بفضل توفره على موارد طاقية متجددة (شمس ورياح) ذات تكلفة منخفضة مقارنة بأسواق أوروبا وآسيا، مما يجعله مرشحًا قويًا ليكون مركزًا إقليميًا لإنتاج وتصدير هذا الوقود النظيف.
واحدة من أبرز القضايا التي تم التطرق إليها خلال اللقاء هي مسألة هجرة الأدمغة، حيث كشف الوزير عن أرقام مقلقة بشأن استقطاب الكفاءات المغربية، خاصة الأطباء والمهندسين، من قبل دول مثل ألمانيا. إذ كانت الجامعات الألمانية، بحسب قوله، توظف دفعات كاملة من المهندسين المغاربة قبل تخرجهم.
غير أن المغرب لم يقف مكتوف الأيدي، بل عمل على مضاعفة أعداد خريجي كليات الطب والهندسة، واستثمر في تكوين جيل جديد من المواهب القادرة على قيادة التحول الصناعي والتكنولوجي. ويُعد هذا التحول جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى جعل الكفاءات الوطنية موردًا أساسياً للنمو، بدل أن تكون مجرد صادرات بشرية إلى الخارج.
ولعل المقارنة التي قدمها الوزير بين كلفة توظيف المهندس المغربي في أوروبا (6500 يورو شهريًا) وبين توظيفه محليًا (1000 إلى 1500 يورو) تسلط الضوء على الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للاستثمار في الكفاءات المحلية. فالمهندس في وطنه لا يكون فقط أقل تكلفة، بل يكون أكثر إنتاجية واستقرارًا نفسيًا، وهو ما يؤثر إيجابًا على مردوديته وعلى الاقتصاد الوطني ككل.
يبدو أن المغرب قد حدد ملامح موقعه الجديد في النظام الدولي، موقعٌ يتجاوز النظرة التقليدية المبنية على التبعية والمساعدات، نحو نموذج يقوم على الشراكة المتوازنة وتقديم الحلول. ففي عالم يشهد نقصًا حادًا في الكفاءات وتحديات مناخية متسارعة، يصبح المغرب منصة موثوقة لتوفير الحلول التكنولوجية والطاقية، وهو ما يؤكده الإقبال المتزايد من كبريات الشركات العالمية على الاستثمار في المملكة.
وفي هذا السياق، أشار تقرير حديث صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) إلى أن المغرب يُعد من بين الدول الإفريقية الأكثر استعدادًا لاحتضان تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر، نظرًا لموقعه الجغرافي القريب من أوروبا، واستقراره السياسي، وتقدمه في البنيات التحتية الطاقية.
إن التغير في الخطاب السياسي والاقتصادي المغربي يعكس وعيًا استراتيجيًا بدور المملكة كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على المساهمة في تشكيل معالم الاقتصاد الأخضر العالمي. وبينما يستمر المغرب في تثمين رأسماله البشري واستغلال مؤهلاته الطاقية واللوجستية، تتعزز مكانته كشريك فاعل في التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
ولعل الرهان الأكبر اليوم هو تحويل هذا الطموح إلى واقع ملموس، عبر تسريع تنزيل الاستراتيجيات الوطنية، وتوفير بيئة محفزة للاستثمار والابتكار، وضمان عدالة مجالية تمكّن جميع الجهات من الاستفادة من هذا التحول البنيوي.