أوزين وشحتان.. من سجال إعلامي إلى معركة حول صورة الصحافة وحدود المسؤولية.

بقلم :محمد الرداف

عاد الجدل بين محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وإدريس شحتان، ناشر ومدير عدد من المنابر الإعلامية، إلى واجهة النقاش العمومي، في مواجهة تكشف أن الخلاف لم يعد مجرد سجال بين شخصين، بل أصبح مرتبطا بأسئلة أوسع حول حدود الممارسة الإعلامية، وأخلاقيات النشر، واستقلالية الصحافة، وطبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة.
ففي خلفية هذا الصراع توجد اتهامات متبادلة، ومواقف حادة، واختلاف واضح في تقدير حدود النقد والمواجهة. وبينما يقدم أوزين وحزبه المعركة باعتبارها دفاعاً عن المصداقية السياسية والمؤسساتية في مواجهة ما يعتبرونه ممارسات إعلامية غير مهنية، يرى الطرف الآخر أن الأمر يدخل في نطاق الصراع السياسي ومحاولة التأثير في المشهد الإعلامي.
المثير في القضية أن السجال لم يتوقف عند حدود المقالات والتصريحات، بل امتد إلى موضوع المجلس الوطني للصحافة، وإلى النقاش حول تمثيلية المهنيين ومن يملك حق التأثير في مستقبل المؤسسة التنظيمية التي يفترض أن تكون فضاءً مستقلاً لتدبير شؤون المهنة.
ومن هنا تبرز أهمية إخراج النقاش من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات. فالإعلام لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، كما أن العمل السياسي لا ينبغي أن يكون هدفاً سهلاً للتشهير أو الضغط أو الابتزاز الإعلامي. والقاعدة الأساسية التي يفترض أن تحكم الطرفين هي الاحتكام إلى الوقائع والوثائق والقانون، لا إلى التجريح وتبادل الاتهامات.
أما الحديث عن “التفاهة” و”الإسفاف” و”الإضرار بصورة المغرب”، فهو نقاش مشروع من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى أدلة دقيقة ومعايير مهنية واضحة، لأن تقييم المحتوى الإعلامي لا يمكن أن يبنى فقط على الانطباعات أو الخصومات الشخصية. وفي المقابل، فإن حرية الصحافة لا تعني إعفاء الصحفي أو الناشر من المسؤولية عن المضامين التي ينشرها، ولا تمنح أحداً حصانة من النقد أو المساءلة القانونية والمهنية.
والأخطر في هذا النوع من المواجهات هو انتقال الصراع من الأشخاص إلى الجسم الصحفي برمته، بما قد يؤدي إلى وضع مهنيين وصحفيين داخل معركة لم يختاروها، أو تحويل مؤسسات مهنية إلى أدوات في صراع سياسي. فالجمعيات والمنظمات الصحفية يفترض أن تكون فضاءات للدفاع عن المهنة وأخلاقياتها واستقلاليتها، لا ساحات للاصطفاف خلف هذا الطرف أو ذاك.
وفي المقابل، فإن رفض المناظرة أو الحوار المباشر، متى كان متاحاً ومنظماً ومسؤولاً، لا يساعد بالضرورة على تبديد الالتباس. فالمناظرة المهنية القائمة على الوثائق والوقائع قد تكون أحياناً أكثر فائدة للرأي العام من البيانات المتبادلة، لأنها تسمح بتمييز الحقائق عن التأويلات، والمسؤولية عن المزايدة.
إن جوهر القضية، في النهاية، ليس: من انتصر على من؟ بل: أي إعلام نريد؟ وأي ممارسة سياسية نريد؟ وأي مؤسسات مهنية نريد؟
فإذا كان أوزين وشحتان يختلفان حول قضايا جوهرية، فإن الرابح الحقيقي ينبغي أن يكون هو النقاش العمومي، بشرط أن يتحول الصراع من مواجهة شخصية إلى نقاش حول المسؤولية والحدود والأخلاقيات.
لقد آن الأوان لأن تتوقف لغة “الضربة الإعلامية” و”الرد السياسي” عند حدودها، وأن يحل محلها الاحتكام إلى القضاء والوثائق والمؤسسات. فسمعة الصحافة لا تُبنى بإسقاط الخصوم، كما أن قوة السياسي لا تقاس بقدرته على مواجهة الصحفيين.
المغرب في حاجة إلى صحافة قوية ومستقلة ومسؤولة، وإلى سياسة تحترم الإعلام ولا تخشاه، وإلى إعلام يمارس النقد دون ابتزاز، وإلى سياسيين يتقبلون النقد دون تحويل كل مواجهة إعلامية إلى معركة وجود.
وفي هذا السياق، فإن صراع أوزين وشحتان قد يكون فرصة، لا لمواصلة السجال، وإنما لفتح نقاش أعمق حول من يراقب من؟ ومن يحاسب من؟ وأين تنتهي حرية الصحافة وتبدأ مسؤولية النشر؟
تلك هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في صلب النقاش، بعيدا عن الأشخاص، وبعيدا عن منطق تصفية الحسابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist