إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب: رؤية شاملة نحو رعاية صحية عادلة ومستدامة

 

الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)

تعتبر الرعاية الصحية حقاً أساسياً لكل مواطن، وركيزة أساسية لبناء مجتمعات قوية ومزدهرة. في هذا السياق، يشهد المغرب تحولاً جذرياً في منظومته الصحية، مدفوعاً بإرادة سياسية قوية ورؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق العدالة المجالية، تعزيز جودة الخدمات، وضمان الولوج الشامل للدواء والعلاج. هذه الإصلاحات، التي يقودها وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، لا تقتصر على التغييرات الهيكلية فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة تأهيل البنى التحتية، تعزيز الموارد البشرية، وتطوير السياسات الدوائية، في مسعى لبناء نظام صحي عصري يستجيب لتطلعات المغاربة.

لم تشهد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أي إصلاح هيكلي شامل منذ عام 1994، باستثناء بعض التغييرات الجزئية. هذه المدة الطويلة، التي تجاوزت ثلاثة عقود، جعلت الحاجة ماسة لإعادة النظر في أدوار واختصاصات الوزارة لتعزيز الحكامة ورفع أداء المنظومة برمتها. تأتي هذه الرؤية الجديدة في سياق مواكبة إحداث مؤسسات جديدة ذات مهام جوهرية، مثل الهيئة العليا للصحة، المجموعات الصحية الترابية، الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته.

ترتكز رؤية الوزارة لإعادة الهيكلة والتنظيم على أسس قوية تشمل:

  • إعادة تنظيم الهياكل الإدارية: سواء المركزية أو اللامركزية، لتقوية التنسيق والتكامل بين مختلف مستويات التدبير.
  • مواكبة المجموعات الصحية الترابية: لضمان حسن ممارسة اختصاصاتها وفق النصوص التشريعية والتنظيمية.
  • تعميم الحماية الاجتماعية: خاصة في شقها المرتبط بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
  • إعداد السياسة الصحية الوطنية: في مجالات محاربة الأمراض، الحفاظ على الصحة العامة، والأدوية والمنتجات

الصحية.

  • تعزيز الرقمنة وتطوير نظم المعلومات الصحية.

مشروع مرسوم إعادة تنظيم الوزارة يوجد حالياً في مراحله النهائية، ومن المتوقع عرضه على أنظار المجلس الحكومي قريباً، مما يفتح آفاقاً جديدة لحكامة صحية أكثر فعالية وشفافية.

تعتبر الموارد البشرية عصب أي نظام صحي، وفي هذا الإطار، اتخذت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية حزمة من الإجراءات لضمان عدالة مجالية حقيقية في توزيع الأطر الصحية، مع إعطاء الأولوية للمناطق القروية والنائية التي تعاني من خصاص مزمن.

من أبرز هذه الإجراءات:

  • زيادة المناصب المالية: تم رفع عدد المناصب المالية المخصصة لتوظيف الأطر الصحية من 1500 منصب سنة 2017 إلى 6500 منصب خلال سنة 2025.
  • استغلال أمثل للطاقات: بلغت نسبة استعمال المناصب المخصصة للأطباء المقيمين المتعاقدين مع الوزارة 100% برسم دورة أبريل 2025، مقارنة بـ49% فقط السنة الماضية، حيث بلغ عددهم 992 طبيباً.
  • تعيين الأطباء المتخصصين: شهدت سنة 2025 تعيين دفعتين كاملتين من الأطباء المتخصصين، بمجموع 661 طبيباً، بهدف تسريع إدماج هذه الفئة وإنهاء نظام التعيينات المؤقتة. كما ستعزز المؤسسات الصحية بـ 543 منصباً إضافياً لطبيب اختصاصي ابتداءً من شتنبر 2025.
  • تحسين جاذبية الممارسة الطبية: تعمل الوزارة على تحفيز الأطر الصحية وتوفير بيئة عمل ملائمة في المناطق النائية، لتعزيز التنافسية بين الجهات وتقليص الفوارق الترابية.
  • البرنامج الوطني لتعزيز الكثافة: تواصل الوزارة تفعيل الاتفاقية الإطار الموقعة سنة 2022 مع وزارتي التعليم العالي والاقتصاد والمالية، بهدف تنفيذ برنامج وطني لتعزيز كثافة مهني قطاع الصحة في أفق 2030.

يعد إصلاح السياسة الدوائية الوطنية أحد الأعمدة الجوهرية في مسار تأهيل المنظومة الصحية، ويهدف إلى ضمان العدالة في الولوج إلى الدواء وترسيخ السيادة الصحية الوطنية    .

  • مراجعة نظام تسعير الأدوية: ارتفعت نفقات تعويض الأدوية بنسبة 31% ما بين سنتي 2022 و2024.
  • صيغة توافقية لمرسوم جديد: بعد أكثر من 30 اجتماعاً مع الفاعلين المعنيين، تم التوصل إلى صيغة توافقية لمرسوم جديد سيسمح بخفض ملموس في أسعار الأدوية.
  • مبادئ النموذج الجديد: تقليص آجال مراجعة الأسعار، تنزيل الإصلاح تدريجياً، الحفاظ على الأدوية منخفضة السعر، وتشجيع الإنتاج المحلي.
  • إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية: بموجب القانون 10.22.
  • مرصد وطني للأدوية: لرصد الأسعار، توقع الانقطاعات، وتحليل السوق.
  • منصة لوجستيكية وطنية موحدة: لتموين المؤسسات الصحية العمومية.
  • تعزيز السيادة اللقاحية: مشروع “ماربيو” بمدينة بنسليمان لتغطية 100% من حاجيات برنامج التلقيح الوطني بحلول 2027.

تشمل الرؤية الوطنية:

  • تشييد 5 مراكز استشفائية جامعية جديدة + مستشفى ابن سينا.
  • تحديث وتأهيل مراكز جامعية في فاس، الدار البيضاء، الرباط، مراكش ووجدة.
  • تأهيل 83 مستشفى (8700 سرير) ، و1400 مركز صحي (949 مركزاً تم تأهيله حتى الآن).
  • مشاريع رقمية: نظام معلوماتي موحد، منصات لحجز المواعيد.
  • تحسين تجربة المريض: الاستقبال، النظافة، محطات رقمية، وتوحيد نظام المواعيد.

المستعجلات: استجابة سريعة وتكفل فعال بالحالات الحرجة

  • 155 مصلحة استقبال مستعجلات
  • أكثر من 6 ملايين استشارة استعجالية في 2024
  • 110 وحدة للقرب، 9 وحدات SAMU، رقم 141
  • تأهيل المصالح حسب دليل وطني
  • تفعيل المجموعات الصحية الترابية

بناء على القانون الإطار 06.22، يعتمد الإصلاح على أربعة محاور:

  • تقوية العرض الصحي: بناء 6 مستشفيات جامعية، 83 مؤسسة استشفائية، تأهيل 1400 مركز صحي.
  • تعزيز الموارد البشرية: توظيف 15000 إطار صحي، 6500 منصب مالي إضافي في 2025، تعيين أكثر من 1000 طبيب أخصائي، وتحفيز العمل بالمناطق النائية.
  • تحسين الحكامة: إنشاء الهيئة العليا للصحة، والوكالات الوطنية، وتفعيل المجموعات الصحية الترابية (ابتداء من جهة طنجة).

إن الإصلاحات الجارية في المنظومة الصحية بالمغرب ليست مجرد تغييرات إدارية، بل هي رؤية عميقة تستهدف بناء مستقبل صحي واعد للمواطنين. تتضافر الجهود لخلق نظام صحي أكثر عدلاً، كفاءة، وإنسانية. هذه الخطوات تعكس التزام الدولة بضمان حق كل مواطن في رعاية صحية كريمة، وتؤكد أن صحة الإنسان هي الأولوية القصوى في مسيرة التنمية الشاملة التي يشهدها المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist