الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
في زمن تهيمن فيه البيانات على تفاصيل الحياة اليومية، يكشف واقع الإنترنت في المغرب عن مفارقة حادة بين الطلب المرتفع على الإنترنت الثابت من جهة، والمردودية الاقتصادية الضعيفة لهذا النمط من الاستهلاك من جهة أخرى، ما يطرح تحديات هيكلية أمام شركات الاتصالات وصانعي القرار على حد سواء.
بحسب معطيات رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، فإن متوسط استهلاك الفرد المغربي من الإنترنت الثابت يبلغ سنويًا 427 جيغابايت، وهو رقم يعكس الإقبال الواسع على هذا النوع من الاتصال، خصوصًا في الفضاءات المنزلية والمهنية. في المقابل، لا يتجاوز استهلاك الفرد من الإنترنت المحمول في المتوسط 13 جيغابايت سنويًا، رغم الانتشار الكبير للهواتف الذكية.
غير أن هذه المعادلة لا تنعكس بنفس الشكل على المردودية الاقتصادية: فكل جيغا مستهلكة عبر الإنترنت الثابت لا تدرّ أكثر من 50 سنتيما، في حين تصل عوائد الجيغا المحمولة إلى 30 درهمًا. وهو ما يعني أن شركات الاتصالات تخسر كلما زاد الإقبال على الإنترنت الثابت، وتربح أكثر مع كل جيغا يتم استهلاكها عبر المحمول.
يرتبط هذا الإقبال الكثيف على الإنترنت الثابت بطبيعة استخدامه في المنازل والمكاتب، حيث تستهلك كميات ضخمة من البيانات في البث المباشر (Streaming)، والألعاب الإلكترونية، والخدمات السحابية. كما يُفاقم الوضع تنامي عدد أجهزة إنترنت الأشياء (IoT) المرتبطة بالشبكات، والتي تزيد من حجم الضغط على البنية التحتية، خاصة في ساعات الذروة.
وتؤكد مصادر تقنية من داخل القطاع أن هذا الاستخدام “الثقيل” يستنزف قدرات الشبكات الثابتة، التي تتطلب استثمارات متواصلة في الصيانة والتوسعة، دون أن تقابلها عائدات تجارية تغطي التكاليف.
في الجهة المقابلة، يبقى الإنترنت المحمول أكثر مردودية للفاعلين الاقتصاديين، بفضل البنية التسعيرية القائمة على حجم الاستهلاك. لكنه لا يخلو من تحديات، أبرزها ضعف التغطية في المناطق القروية والجبلية، وارتفاع أسعار الأجهزة الطرفية اللازمة للاستفادة من الشبكات ذات الجيل الرابع والخامس.
هذا الواقع يخلق فجوة رقمية ملموسة بين المناطق الحضرية وشبه الحضرية من جهة، والمناطق النائية من جهة أخرى، ما يعكس اختلالاً في عدالة توزيع خدمات الإنترنت داخل التراب الوطني.
المعادلة الحالية في سوق الاتصالات المغربي تُبرز خللاً بنيويًا في نموذج التمويل والاستثمار داخل القطاع. فمن جهة، ترتفع الكلفة التقنية لتشغيل الشبكات الثابتة دون مردودية كافية، ومن جهة أخرى، تحقّق الشبكات المحمولة أرباحًا أعلى لكنها محدودة التوسع بفعل إكراهات خارجية.
في ظل هذا الواقع، يبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة النموذج الاقتصادي المعتمد، بما يسمح بتحقيق توازن بين ربحية الشركات وحق المواطن في الولوج العادل إلى خدمة إنترنت عالية الجودة، سواء عبر الألياف البصرية أو شبكات الجيل الخامس.
أمام التحولات الرقمية المتسارعة، يواجه المغرب تحديًا استراتيجيًا في توسيع بنيته الرقمية وتكريس عدالة رقمية تواكب طموحاته في مجالات الاقتصاد الرقمي والتعليم عن بعد والخدمات الذكية.
ولتحقيق ذلك، يحتاج القطاع إلى رؤية متكاملة تنخرط فيها الدولة والقطاع الخاص والهيئات التنظيمية، لإعادة رسم قواعد اللعبة الرقمية، حيث لا يكون الربح عائقًا أمام التقدم، ولا يكون الاستهلاك المجاني على حساب الجودة والاستدامة.