البرتغال تتجه إلى المغرب: رهان استراتيجي لفكّ التبعية الطاقية لإسبانيا

الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة )

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها البرتغال على مستوى أمن الطاقة، وخاصة بعد الانقطاع الكهربائي الكبير الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية في أبريل 2025، بدأت السلطات البرتغالية بإعادة النظر في بنيتها التحتية الطاقية وخياراتها الاستراتيجية. ومن بين أبرز الحلول المطروحة على الطاولة، يبرز مشروع الربط الكهربائي المباشر مع المغرب كخيار جدي وواعد، يهدف إلى تعزيز استقلال البرتغال الطاقي عن إسبانيا، والبحث عن شراكات جنوبية موثوقة ومستدامة.

الانقطاع الذي وقع في 28 أبريل، نتيجة خلل مفاجئ في الشبكة الإسبانية، كشف عن هشاشة الارتباط الكهربائي للبرتغال مع أوروبا. فالربط مع فرنسا عبر جبال البرانس لا يتجاوز 3%، بينما يوصي الاتحاد الأوروبي بأن تبلغ نسبة الربط بين الدول الأعضاء 10% على الأقل بحلول عام 2030. هذه الثغرة في الشبكة الأوروبية دفعت البرتغال إلى استكشاف بدائل خارج الإطار التقليدي، وهنا جاء المغرب كخيار استراتيجي منطقي وفعّال.

المغرب، الذي يربطه حاليًا بإسبانيا ربط كهربائي قوي وقدرة تصديرية فعّالة، أثبت بالفعل جدارته خلال الأزمة، حيث ضخّ أكثر من 500 ميغاواط من الكهرباء نحو إسبانيا خلال فترة الانقطاع. وتاريخيًا، يراهن المغرب على تطوير شبكة طاقية متقدمة، مبنية على مصادر متجددة ومتنوعة، تجعل منه فاعلًا إقليميًا مهمًا في مجال تصدير الكهرباء النظيفة.

المشروع المرتقب بين المغرب والبرتغال يهدف إلى إنشاء كابل كهربائي بحري مباشر، يمتد على مسافة تُقدّر بـ265 كيلومترًا، بطاقة أولية قد تصل إلى 1000 ميغاواط. وبالرغم من التكاليف التقنية المرتفعة، إلا أن الفوائد المتوقعة لكلا البلدين تجعل من المشروع خطوة جريئة وواعدة نحو شراكة إستراتيجية حقيقية في ميدان الطاقة.

البرتغال من جهتها أعلنت عن خطة وطنية لتعزيز مرونتها الطاقية، تشمل استثمارات تفوق 400 مليون يورو لتقوية قدرات التخزين وتحديث شبكتها، إلى جانب مشاريع مستقبلية لربطها المباشر بجيران جدد، وعلى رأسهم المغرب.

هذا المشروع لا يُعتبر مجرد ربط كهربائي، بل يُجسّد تحولًا في منطق العلاقات الطاقية بين شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط. إنه يعكس ثقة أوروبية متزايدة في القدرة المغربية على تأمين احتياجات طاقية منتظمة، خضراء، وموثوقة.

ومع توقيع اتفاقيات سابقة بين المغرب والبرتغال في إطار مؤتمر المناخ “COP28”، وتأكيد الطرفين على رغبتهما في المضي قدمًا في هذا المشروع، يبدو أن الربط الكهربائي المباشر بين البلدين لم يعد مجرد فكرة، بل مشروعًا قيد التشكل على أرض الواقع، يحمل بين طياته وعودًا كبيرة لمستقبل طاقي أكثر توازنًا واستقلالية في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist