الملاحظ نورة حكيم ( صحفية متدربة)
في خطوة رائدة نحو تكريس التكامل بين السياسة والمعرفة، أكد راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، خلال حفل تسليم الجائزة الوطنية للأبحاث والدراسات حول العمل البرلماني، أن المؤسسات التمثيلية لا تستمد شرعيتها فقط من القوانين التي تنتجها، بل من انفتاحها المستمر على الفضاء العمومي، وعلى النقاش العقلاني الذي يُثري الأداء البرلماني ويقوّي صلته بالمجتمع.
الطالبي العلمي استحضر في كلمته تجارب كبار المفكرين من أمثال يورغن هابرماس، كارل بوبر، جون ستيوارت ميل، ونانسي فريزر، ليؤكد أن الفعل البرلماني اليوم لم يعد مجرد وظيفة سياسية محكومة بنصوص دستورية، بل بات مجالًا خصبًا للتفكير والتحليل الأكاديمي، وموضوعًا للحوار متعدد التخصصات، في ظل تزايد الحاجة إلى تجديد أدوات الفهم والتأويل وسط عالم متغير.
وأوضح رئيس مجلس النواب أن تنظيم هذه الجائزة الوطنية لأول مرة بمبادرة مشتركة من مجلسي البرلمان يُعد خطوة نوعية تعكس إرادة قوية للانفتاح على الجامعة، وعلى مختلف الفاعلين في مجال البحث العلمي. فالبرلمان، كما قال، يسعى إلى بناء جسور معرفية مع الجامعة المغربية، بهدف إنتاج معرفة متخصصة حول الممارسة البرلمانية، وتغذية القرار السياسي بنتائج البحث العلمي الرصين.
وفي هذا السياق، أشاد الطالبي العلمي بالمشاركين في الجائزة من مختلف الجامعات المغربية، معتبرًا إياهم دليلًا على أن الجامعة لم تعد فضاءً للتلقين فحسب، بل صارت مختبرًا لإنتاج الأفكار وتطوير المقاربات المرتبطة بأداء المؤسسات التشريعية.
أكثر من ذلك، دعا رئيس مجلس النواب إلى توطيد العلاقة بين الحقلين السياسي والأكاديمي من أجل تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة. فالديمقراطية، كما شدد، لا تُبنى فقط بالقوانين الانتخابية، رغم أهميتها، بل من خلال مؤسسات قادرة على الاستماع إلى المعرفة العلمية، واستيعاب نتائج الدراسات والمقاربات الأكاديمية.
في خضم التحولات الوطنية والدولية، يرى الطالبي العلمي أن التشريع والمراقبة لم يعودا كافيين لضمان النجاعة السياسية والمؤسساتية، بل أصبح من الضروري التفكير في تجديد أدوات العمل، وتحقيق تفاعل خلاق بين السياسة والفكر، وبين القرار والمعرفة، وهو ما يتطلب تحصين الفعل السياسي بالتأمل والتحليل، وتغذيته المستمرة من أسئلة المجتمع وهمومه.
كما ذكّر في ختام كلمته، أن هذا الطموح يتماشى مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يولي اهتمامًا بالغًا لجودة أداء المؤسسات، ولضرورة بناء هذا الأداء على أسس من العلم والرؤية والبُعد الاستراتيجي.
يبدو أن الجائزة الوطنية للأبحاث والدراسات حول العمل البرلماني ليست مجرد حدث أكاديمي عابر، بل خطوة عملية نحو تأسيس مدرسة مغربية متخصصة في دراسة الأداء البرلماني، مدرسة تؤمن بأن السياسة الرشيدة لا تكتمل إلا بالمعرفة، وبأن البرلمان الفاعل هو ذلك الذي ينصت لصوت الباحثين، ويستمد من الجامعات بوصلة التطوير.
المبادرة البرلمانية التي تم إطلاقها، تعكس تحولًا نوعيًا في التفكير السياسي المغربي، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها البرلمان ليس فقط منتجًا للقوانين، بل شريكًا في إنتاج المعرفة، في انسجام تام مع متطلبات الديمقراطية التشاركية، وتحديات الزمن السياسي الجديد.