الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
صادق مجلس النواب، في جلسة تشريعية عقدت اليوم الثلاثاء 22 يوليوز 2025، على مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، وذلك في إطار قراءة ثانية، بعد عودته من مجلس المستشارين. وقد حاز المشروع موافقة 47 نائبًا، مقابل معارضة 15 نائبًا، فيما سجل غياب غير مسبوق لـ333 نائبًا عن جلسة التصويت، في مشهد أثار تساؤلات حول التزام النواب بواجباتهم التشريعية في قضايا على قدر كبير من الأهمية.
وكانت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين قد صادقت على مشروع القانون في اجتماعها المنعقد يوم الإثنين 7 يوليوز الجاري، وذلك بأغلبية 10 أصوات مقابل صوت معارض واحد، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت. وجاءت هذه المصادقة بعد إحالة المشروع على الغرفة الثانية من البرلمان من طرف مجلس النواب.
ويُشار إلى أن مجلس النواب كان قد صادق، في جلسة تشريعية خلال شهر ماي الماضي، على المشروع ذاته بالأغلبية، حيث أيده 130 نائبًا مقابل معارضة 40 نائبًا، بحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي اعتبر المشروع محطة إصلاحية مفصلية في مسار تحديث المنظومة الجنائية الوطنية.
في كلمته التقديمية، شدد وزير العدل على أن المشروع الجديد لا يُعد مجرد تعديل تقني للقانون الجنائي، بل يمثل بمثابة “دستور للعدالة الجنائية”، نظرا لما يتضمنه من مستجدات جوهرية، سواء على مستوى تعزيز حقوق المتقاضين، أو على صعيد تقوية آليات التصدي للجريمة بجميع أشكالها.
وأكد وهبي أن المشروع ينسجم مع المستجدات الدستورية للمملكة ومع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، مشيرًا إلى أنه يحقق توازنا دقيقا بين حماية النظام العام وضمان الحريات الفردية، وهو ما يعكس توجها إصلاحيا شاملا في السياسة الجنائية.
يتضمن مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 حزمة من الإصلاحات المهمة، من بينها:
- تعزيز الضمانات القانونية خلال التحقيق الإعدادي، وتكريس مبدأ قرينة البراءة، مع التنصيص صراحة على أن الصمت لا يُعد اعترافًا ضمنيًا.
- حماية ضحايا الاتجار بالبشر وفقًا للمعايير الدولية.
- توسيع استعمال الوسائل الرقمية خلال مراحل الإجراءات الجنائية، في إطار رقمنة العدالة وتعزيز الشفافية والنجاعة.
- الحد من حالات الاعتقال الاحتياطي وترشيد اللجوء إليه، مع توفير بدائل قانونية تحفظ حقوق الأفراد.
- تحسين آليات الإفراج وإعادة الإدماج من خلال تيسير مساطر رد الاعتبار، وتبسيط إجراءات الأداء والغرامات.
رغم الطابع الحيوي للمشروع، فإن ضعف الحضور البرلماني خلال جلسة التصويت يثير علامات استفهام حول مدى تفاعل المؤسسة التشريعية مع الإصلاحات ذات البعد الاستراتيجي. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الفاعلون السياسيون عن أهمية تحديث المنظومة القانونية الوطنية، يغيب المئات من النواب عن التصويت، ما قد يبعث برسائل سلبية إلى الرأي العام حول جدية العمل البرلماني.
يشكل مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد خطوة متقدمة في مسار تحديث العدالة الجنائية بالمغرب، ويعكس رغبة في مواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية، من حيث احترام حقوق الإنسان وضمان شروط المحاكمة العادلة. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الإصلاح التشريعي سيظل رهينا بإرادة سياسية واضحة في تطبيق مضامينه، ومواكبة قضائية ومجتمعية لضمان فعاليته على أرض الواقع.