الجزائر من عزلتها إلى “روما”… حين يلهث النظام العسكري وراء جرعة أوكسجين عبر شيكات سوناطراك

الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)

في شهر يوليوز الحارق، لم تكن موجات الحرارة وحدها ما أرهق النظام العسكري الجزائري؛ بل كان المشهد الجيوسياسي المتغير بسرعة، والتحولات الدبلوماسية التي تتقاطر تباعًا لصالح المغرب، هو ما جعل المؤسسة الحاكمة في الجزائر تتصبب عرقًا، وتبحث يائسة عن أي منفذ تتنفس منه على الساحة الدولية.

فمن زيارة الرئيس الجنوب إفريقي الأسبق “جاكوب زوما” للمملكة، وإعلانه دعم مقترح الحكم الذاتي، مرورًا باعتراف مقدونيا الشمالية، وتجديد غامبيا موقفها من مغربية الصحراء، وصولاً إلى الموقف السياسي الصريح للبرتغال يوم 23 يوليوز، بدأت رقعة الدعم المغربي تتوسع على حساب تآكل ما تبقى من أوراق الجزائر الدبلوماسية.

لم تكن زيارة “زوما” مجرد زيارة رمزية، بل تحمل دلالات استراتيجية، إذ أن حزب “رمح الأمة” الذي يقوده يتصدر المعارضة في جنوب إفريقيا، ويمتلك وزناً سياسياً داخل البرلمان بـ58 مقعدًا. إعلان دعمه لمبادرة الحكم الذاتي يمثل بداية تصدع جدار “الإجماع الإفريقي” المفتعل حول أطروحة الانفصال.

وفي أوروبا، جاءت صفعة أخرى: اعتراف البرتغال، الشريك في مونديال 2030 ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي الحالي، بمقترح الحكم الذاتي، ليشكّل ضربة ثقيلة للنظام الجزائري، ليس فقط بسبب رمزية البرتغال التاريخية في المتوسط وإفريقيا، بل لوزنها داخل الاتحاد الأوروبي وتنامي تحالفاتها مع الرباط.

وفي قلب هذا الزخم، أعلنت مجموعة “Stellantis” العالمية ضخ استثمارات إضافية بالمغرب بقيمة 1.2 مليار يورو، من أجل مضاعفة إنتاج السيارات إلى أكثر من نصف مليون وحدة سنويًا. خطوة تُجسّد مكانة المغرب كوجهة صناعية عالمية صاعدة، وتسلط الضوء على الفارق في الجاذبية الاستثمارية بين الرباط والجزائر، التي لا تزال تراهن على شركات بترولية في مشاريع هشة.

أمام هذا الطوق الخانق، اختار النظام الجزائري مدينة روما كوجهة للهروب إلى الأمام. حشد أغلب وزرائه وكبار رجال أعماله لحضور “منتدى الأعمال الإيطالي الجزائري” يوم 24 يوليوز، بحثًا عن “لحظة إعلامية” تعيد له بعض الظهور الخارجي.

المفارقة أن الهدف الحقيقي من هذه الزيارة لم يكن توقيع اتفاقيات في الفلاحة أو التكوين أو الثقافة، بل كانت “سوناطراك” هي الرهان الأكبر، باعتبارها آخر أوراق النظام القابلة للتفاوض. وقد تم توقيع اتفاق جديد مع شركة “إيني” الإيطالية في مجال الغاز، في محاولة لتثبيت الجزائر كمورد بديل للطاقة في ظل أزمة روسيا مع أوروبا.

لكن حتى هذا المعطى بدأ يفقد بريقه، إذ لم يعد كافيًا لمقايضة السياسة بالغاز، في ظل تنوع مصادر الطاقة لدى أوروبا، وتقلص هامش المناورة أمام الأنظمة غير المستقرة.

اللافت أن النظام الجزائري لم يكتفِ بروما الرسمية، بل طرق باب الفاتيكان، في مسعى يائس لتدويل وساطة دبلوماسية تعيد له شيئا من الحضور داخل الاتحاد الأوروبي، بعد إعلان المفوضية الأوروبية فتح إجراء تحكيمي ضد الجزائر، بسبب خرقها اتفاق الشراكة الموقع منذ 2005.

ورغم رفع بعض الأصوات الجزائرية شعار “المراجعة لا القطيعة”، فإن خسائر الجزائر من الاتفاق تقدر بـ30 مليار يورو سنويًا، وهو ما يُظهر مدى التخبط بين الخطاب السياسي المتوتر، والواقع الاقتصادي الهش.

في الوقت الذي تتوالى فيه الاعترافات بمقترح الحكم الذاتي المغربي، وتحظى الرباط بثقة قوى وازنة عبر استثمارات نوعية وتحالفات استراتيجية، يُراهن النظام الجزائري على رموز مصطنعة لتصوير علاقة “حضارية” مع إيطاليا، مثل التذكير باسم أنبوب الغاز “ماتيو متاي”، أو استحضار قصة “القرصان علي بيتشيني” الذي تزوج أميرة قبائلية، في محاولة للتاريخنة بدون عمق.

لكن الحقيقة المرة هي أن النظام العسكري الجزائري بات خارج الزمن الإقليمي، محاصرًا في الداخل بأزمات اقتصادية واجتماعية، ومعزولًا في الخارج بدبلوماسية عبثية، يحاول إنقاذ ما تبقى من ماء الوجه من خلال رحلات استعراضية مدفوعة من ميزانية الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist