الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
في خطوة أثارت الكثير من الجدل داخل الأوساط الثقافية والدبلوماسية، أعلنت الولايات المتحدة رسميًا انسحابها من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، مبررة قرارها بما وصفته بـ”خلافات أيديولوجية متراكمة” و”انحياز متزايد ضد إسرائيل”، على خلفية استمرار المنظمة في الاعتراف بعضوية فلسطين.
هذا الانسحاب، الذي سيدخل حيّز التنفيذ في 31 ديسمبر 2026، يعيد إلى الواجهة علاقة واشنطن المعقدة مع اليونسكو، ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل التعاون الثقافي الدولي، وتوازن القوى في المؤسسات الأممية.
ليس جديدًا أن تختلف الولايات المتحدة مع اليونسكو. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، شهدت العلاقة بين الجانبين توترات حادة أدت إلى انسحابات سابقة، أبرزها في عهد رونالد ريغان عام 1984، ثم خلال رئاسة دونالد ترامب في 2018. لكن ما يجعل قرار الانسحاب الحالي أكثر حساسية هو السياق العالمي الدقيق، ومحاولة إعادة واشنطن إلى الساحة الدولية بعد عودة قصيرة للمنظمة سنة 2023.
ووفقًا لبيان صادر عن الخارجية الأمريكية، فإن القرار يأتي اعتراضًا على “استمرار التوجهات الإيديولوجية للمنظمة، وانحيازها السياسي في ملفات حساسة”، وخصوصًا ما يتعلق بـ”التعامل غير المتوازن مع إسرائيل، والتبني غير المشروط لقضايا يعتبرها البيت الأبيض متعارضة مع القيم الأمريكية”.
منذ أن اعترفت اليونسكو بفلسطين كعضو كامل في 2011، والولايات المتحدة تعارض هذا القرار بشدة، معتبرة أنه “يتجاوز إطار اختصاص المنظمة ويسيّس عملها”. وقد توقفت واشنطن منذ ذلك العام عن تمويل اليونسكو، رغم احتفاظها بمقعد رمزي. وفي 2018، جاء أول انسحاب رسمي في هذا السياق.
وعلى الرغم من العودة المؤقتة سنة 2023 في عهد الرئيس بايدن، فإن إدارة ترامب الجديدة قررت الانسحاب مجددًا، معتبرة أن “المنظمة لم تُجرِ الإصلاحات المطلوبة، وأنها لا تزال تكرّس نهجًا سياسيًا معاديًا لحلفاء الولايات المتحدة”، على حد تعبير المسؤولين الأمريكيين.
الخطاب الرسمي الأمريكي يشير إلى ما هو أبعد من السياسة. فحسب المتحدث باسم الخارجية، فإن المنظمة “تتبنى أجندة عالمية يسارية مفرطة، تتمثل في دعم سياسات الهوية، والتعليم الشامل، والتحولات الاجتماعية والثقافية التي تتنافى مع أولويات الأسرة الأمريكية”.
بعبارة أخرى، فإن الخلاف يتجاوز موقف اليونسكو من فلسطين أو إسرائيل، ليطال القيم التي تدافع عنها المنظمة في مجالات مثل التغير المناخي، التربية الجنسية الشاملة، وحقوق الأقليات، وهي قضايا تعتبرها بعض الدوائر الأمريكية “تدخلًا في الشؤون السيادية للدول”.
رغم أن مساهمة الولايات المتحدة في ميزانية اليونسكو لا تتجاوز اليوم 8%، إلا أن تأثيرها الرمزي والسياسي لا يُستهان به. فانسحاب واشنطن من منظمة ثقافية بهذا الوزن يعني تقليصًا في حجم تمثيلها وتأثيرها في السياسات الثقافية العالمية، وفتح الباب أمام قوى أخرى – وعلى رأسها الصين – لتعزيز نفوذها في المؤسسات الدولية.
من جهة أخرى، فإن هذا الانسحاب قد يُضعف بعض المشاريع المشتركة التي تستفيد منها الدول النامية، في مجالات التربية، حفظ التراث، والتحول الرقمي في التعليم. كما أنه يُربك الشراكات القائمة مع الجامعات والمؤسسات العلمية الأمريكية.
في أول تعليق لها، أعربت المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، عن “أسف المنظمة للقرار الأمريكي”، مشددة على أن “المهمة الثقافية والعلمية لليونسكو ستتواصل بروح التعددية والانفتاح، وأن أبوابها تظل مفتوحة أمام الجميع”.
كما أكدت أن الاعتراف بفلسطين “كان قرارًا سياديًا صادرًا عن الدول الأعضاء”، ولا يمثل انحيازًا سياسيًا، بل التزامًا بمبادئ العدالة الثقافية وحقوق الشعوب.
بين رواية تقول إن المنظمة خرجت عن حيادها، وأخرى ترى في انسحاب أمريكا تهربًا من التعددية الثقافية، يبقى السؤال الأساسي: هل نحن أمام انسحاب تقني محدود، أم بداية لانكماش أمريكي جديد على الساحة الثقافية الأممية؟
في عالم يشهد تصاعد الأزمات والنزاعات، تصبح الثقافة، والتعليم، والبحث العلمي أدوات جوهرية لبناء الجسور. وغياب أي دولة محورية كأمريكا عن هذا الحقل، ليس مجرد مسألة ميزانية أو مواقف سياسية، بل قد يكون خسارة رمزية عميقة… للعالم أجمع.