بين النقد والإنصاف: قراءة في التجربة الإيرانية

بقلم: محمد الرداف

يمكن الاختلاف مع إيران في سياساتها وخياراتها وتحالفاتها، بل وحتى في أخطائها، دون حرج أو تحفظ. فالنقد حق مشروع، ولا توجد دولة بمنأى عن المساءلة. غير أن هذا الحق يفقد قيمته حين يتخلى عن الحد الأدنى من النزاهة الفكرية، أي الاعتراف بالوقائع كما هي، بعيداً عن الأهواء والانطباعات المسبقة.
فعلى امتداد عقود، عاشت إيران تحت حصار اقتصادي وسياسي وعلمي شديد، ومع ذلك استطاعت أن تشق لنفسها مساراً خاصاً، قائمًا على بناء قاعدة علمية وصناعية، وتطوير قدراتها التكنولوجية، والحفاظ على هامش معتبر من الاستقلال في القرارين الاقتصادي والسياسي. وهذه معطيات لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، بغض النظر عن الموقف من سياساتها الإقليمية أو الداخلية.
المسألة هنا لا تتعلق بموقف عاطفي من إيران، بقدر ما ترتبط بمنطق التاريخ: فالدول التي تتعرض للحصار غالباً ما تنهار أو تتراجع، بينما تتمكن أخرى – حين تراهن على الذات – من تحويل التحدي إلى فرصة لبناء القوة. وفي هذا السياق، تبرز التجربة الإيرانية كحالة تستحق القراءة والتحليل، لا التبخيس أو السخرية.
المفارقة اللافتة أن بعض أشد المنتقدين لهذه التجربة ينتمون إلى دول تمتلك من الموارد المالية والبشرية ما يؤهلها لبناء نماذج تنموية مستقلة، لكنها لم تحقق اختراقاً مماثلاً في مجالات المعرفة أو التكنولوجيا. إذ ظلت رهينة أنماط استهلاكية وتبعية اقتصادية، ما أفرز فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة.
إن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينحصر في الدفاع عن دولة بعينها أو مهاجمتها، بل في طرح سؤال أعمق: كيف يمكن للدول، خاصة تلك التي تمتلك الموارد، أن تبني استقلالها العلمي والتنموي؟ ولماذا تنجح بعض التجارب تحت الضغط، بينما تتعثر أخرى في ظروف أكثر ملاءمة؟
قد يكون الاختلاف مع إيران مشروعاً، لكن تجاهل ما حققته في ظل الحصار يظل اختزالا مخلا بالواقع. فالنقد الرصين لا يقوم على الإنكار، بل على الفهم، ولا يكتمل إلا بطرح الأسئلة الصعبة التي تفتح أفق التفكير في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist