الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
شهدت واردات المغرب من القمح الروسي خلال العشرين يومًا الأولى من شهر يوليوز الجاري تراجعًا لافتًا، إذ لم تتجاوز 30 ألف طن، مقابل 255 ألف طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات حديثة صادرة عن الاتحاد الروسي للحبوب، ونشرتها وكالة “إنترفاكس”. هذا الانخفاض بأكثر من ثماني مرات يأتي في سياق يشهد فيه قطاع الحبوب الروسي تراجعًا واسع النطاق في صادراته الخارجية، مما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التراجع، وانعكاساته المحتملة على الأمن الغذائي المغربي، والسياسات التجارية للدولة في مجال التوريد الاستراتيجي.
بحسب معطيات الاتحاد الروسي، فإن حجم صادرات الحبوب من روسيا إلى الخارج تراجع بمعدل ثلاث مرات خلال النصف الأول من يوليوز، حيث لم تتجاوز الكمية الإجمالية 1.207 مليون طن. ويشمل هذا التراجع مختلف أنواع الحبوب، وعلى رأسها القمح الذي انخفضت صادراته بأكثر من أربعة أضعاف، لتستقر عند 604 آلاف طن فقط، مقابل 2.446 مليون طن في الفترة ذاتها من العام الماضي.
هذا الانكماش في الصادرات يعود إلى تقلص عدد أنواع المحاصيل الموجهة للتصدير من 19 نوعًا إلى ستة فقط، إلى جانب تراجع عدد الدول المستوردة للقمح الروسي من 38 إلى 12 دولة فقط. وقد شملت قائمة أبرز المستوردين دولاً تقليدية مثل مصر (138 ألف طن) وتركيا (89 ألف طن) وإيران (54 ألف طن)، بينما تراجعت الحصص الموجهة إلى بلدان مثل الجزائر وكينيا والإمارات بشكل واضح.
تراجع واردات المغرب من القمح الروسي يطرح علامات استفهام حول التوجهات الجديدة في سياسة الاستيراد الوطني. فعلى الرغم من كون القمح الروسي يتمتع حاليًا بسعر تنافسي في الأسواق الدولية – حيث يقل سعره عن القمح الفرنسي بـ12 إلى 13 دولارًا للطن – إلا أن المغرب يبدو في طريقه إلى تنويع مصادر التوريد أو إعادة ضبط أولوياته الاستراتيجية في ما يخص الأمن الغذائي، خاصة في ظل ارتفاع المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق الدولية، وعدم استقرار سلاسل الإمداد.
وفي الوقت الذي تشهد فيه الأسعار العالمية للقمح تقلبات بسبب وفرة الإنتاج الروسي في موسم الحصاد، حيث انخفض السعر إلى حوالي 192 دولارًا للطن نهاية يوليوز، فإن المغرب ربما يراهن على بدائل أخرى أكثر استقرارًا على المدى الطويل، أو على اتفاقيات توريد أكثر توازنًا من حيث الكلفة والجودة وضمان الإمداد.
من جهة أخرى، لم يكن التراجع في حجم الصادرات الروسية ناتجًا فقط عن ضعف الطلب، بل أيضًا بسبب تحديات داخلية في روسيا نفسها. فقد انخفض عدد الشركات المصدرة للقمح من 71 إلى 15 شركة فقط، كما تراجعت كميات الشحن عبر مختلف الموانئ الروسية، وعلى رأسها “نوفوروسيسك” و”روستوف نادونو” و”أستراخان”، في حين تراجعت عمليات الشحن في عرض البحر بنسبة 90% تقريبًا. هذه العوامل مجتمعة أثّرت سلبًا على قدرة روسيا على الحفاظ على مكانتها كمصدر موثوق ومستقر في سوق الحبوب العالمية.
إن قراءة هذا التراجع لا تقتصر فقط على الأبعاد التجارية، بل تتقاطع مع قضايا السيادة الغذائية، لا سيما في ظل تداعيات تغير المناخ وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا. فالمغرب، الذي يُعد من بين أكبر مستوردي الحبوب في المنطقة، قد يكون بصدد إعادة النظر في نموذج الاستيراد الذي يعتمده، سواء من خلال تنويع الشركاء، أو الاستثمار في سلاسل إمداد أكثر مرونة، أو حتى من خلال تعزيز الإنتاج المحلي عبر خطط فلاحية أكثر طموحًا.
كما أن هذه الديناميكيات قد تُحفز على إبرام شراكات استراتيجية مع دول جديدة، أو الانخراط في اتفاقيات طويلة الأجل تضمن الأمن الغذائي بعيدًا عن التقلبات الظرفية أو الاختلالات الجيوسياسية.
يبقى التراجع الحاد في واردات القمح الروسي إلى المغرب خلال يوليوز 2025 مؤشراً هاماً على تغيرات أعمق في الخريطة التجارية والزراعية العالمية. وبين اعتبارات الأسعار والتقلبات اللوجستية وتحولات الطلب، يبرز تحدي تأمين الإمدادات الغذائية كأولوية وطنية تفرض ضرورة التكيف السريع مع المعطيات الجديدة. وفي ظل هذا السياق، يبدو أن المغرب مطالب أكثر من أي وقت مضى ببلورة استراتيجية مرنة، استباقية ومتعددة الأبعاد، تضمن له الأمن الغذائي والاستقلالية في القرار الزراعي.