الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
في تحذير صارخ يعكس عمق التحديات التي تواجه المجتمع الدولي، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، جرس الإنذار بشأن المسار المتعثر لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مؤكدًا أن 35% فقط من الأهداف تسير في الاتجاه الصحيح، بينما يشهد نحو نصفها تقدماً بطيئاً للغاية، في حين يتراجع 18% منها، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لطموحات خطة 2030 التي تبنتها الأسرة الدولية قبل نحو عقد.
جاءت تصريحات غوتيريش خلال افتتاح الجزء الوزاري من المنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة، حيث شدد على أن هذه الأهداف ليست مجرد طموحات نظرية أو شعارات إنشائية، بل تمثل خطة عمل ملموسة للوفاء بالوعود الدولية تجاه الفئات الهشة والمحرومة، وضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة. وأوضح أن المنتدى ينعقد في ظرف دولي معقد، يتسم بتحديات متفاقمة، لكنه يحمل في طياته فرصاً حقيقية لإعادة إحياء الالتزام الجماعي بالقضاء على الفقر، وحماية البيئة، وتحقيق الرفاه المشترك.
ركز المنتدى هذا العام على خمسة أهداف رئيسية اعتبرها غوتيريش محورية في تحفيز الزخم لبقية الأهداف، وهي: الصحة الجيدة، المساواة بين الجنسين، العمل اللائق، الحياة تحت الماء، والشراكات العالمية. غير أن الواقع الميداني، بحسب الأمين العام، لا يزال مقلقاً، خاصة في ظل استمرار الفجوات الواسعة بين الجنسين، وارتفاع نسب بطالة الشباب، ووجود أكثر من ملياري شخص يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، ما يهدد استقرار المجتمعات وتوازن أسواق العمل.
ودعا غوتيريش إلى استثمارات أكبر في التغطية الصحية الشاملة، وتنفيذ الالتزامات المتعلقة بحماية النظم البيئية البحرية، مؤكداً أن تحفيز التقدم في هذه المجالات يمكن أن يخلق تأثيرًا متسلسلاً يعزز التنمية في مجالات أخرى.
ولم يغفل الأمين العام الروابط العضوية بين التنمية والسلام، مشدداً على استحالة تحقيق التنمية في ظل الحروب والنزاعات. من هنا، دعا إلى تحرك دولي عاجل لتحقيق السلام في عدة بؤر توتر، بدءًا من وقف فوري لإطلاق النار في غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى استمرار وقف التصعيد بين إيران وإسرائيل، والتوصل إلى سلام عادل في أوكرانيا، بالإضافة إلى إنهاء النزاع الدموي في السودان، وهي ملفات يرى غوتيريش أن حلها يشكل ضرورة ملحة لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب لتحقيق التنمية.
من جانبه، اعتبر رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، بوب راي، أن أهداف التنمية المستدامة تمثل التزامات جوهرية لا تقبل التراخي أو التأجيل، مؤكداً أن الحضور الرفيع المستوى في المنتدى يعكس إدراكاً جماعياً لهذه المسؤولية. ودعا راي إلى تعزيز التعاون متعدد الأطراف، والعمل بشكل أوثق مع المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والحكومات المحلية، بوصفهم شركاء أساسيين في تنفيذ الأهداف على الأرض.
أما رئيس الجمعية العامة، فيليمون يانغ، فقد سلط الضوء على ضرورة الاعتماد على الحلول العلمية القائمة على الأدلة، مشيراً إلى أهمية تسخير البيانات، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة من المعارف المحلية، لإنتاج سياسات تنموية أكثر فعالية ومرونة.
تتقاطع جميع هذه الرسائل مع جوهر أهداف التنمية المستدامة، التي تتطلب تجديد الالتزام بالعلم، والتضامن، والمساءلة، مع ضمان عدم ترك أي فرد خلف الركب. وفي ظل تبقي خمس سنوات فقط على الموعد النهائي المحدد في عام 2030، يبرز التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي: هل يستطيع تحويل شرارات التحول المتفرقة إلى شعلة تقدم شاملة؟ أم سيواصل العالم الانزلاق نحو فجوة تنموية يصعب سدّها في المستقبل القريب؟
الجواب، كما أكد غوتيريش، يكمن في الإرادة السياسية، والتحرك العاجل، والوفاء بالوعود، خاصة تجاه أولئك الذين ينتظرون أن يصبح شعار “لا أحد يُترك خلف الركب” واقعاً ملموساً لا مجرد أمنية بعيدة.