تقرير اجتماعي شامل: بين تراجع التهريب المعيشي وضحايا الهشاشة… وميثاق الأمل في التنمية

الملاحظ- نورة حكيم (صحفية متدربة)

تشهد الساحة الاجتماعية بالمغرب، لا سيما بالمناطق الحدودية والمجالات القروية، دينامية لافتة تجمع بين آلام الماضي وتطلعات المستقبل. من إغلاق المعابر الحدودية لسبتة ومليلية، إلى تكرار حوادث الغرق في قنوات الريّ، وصولاً إلى نماذج ناجحة من التكوين والإدماج المهني… تتعدد المشاهد، ويظل المواطن في قلب كل القضايا.

منذ قرار إغلاق معبري سبتة ومليلية ومنع أنشطة التهريب المعيشي، وجدت آلاف الأسر المغربية نفسها خارج دائرة النشاط الاقتصادي الذي طالما شكل مورد رزقها الأساسي. هذه الفئة، التي اعتادت العبور اليومي بين الضفتين في ظل غياب بدائل اقتصادية، تعيش اليوم وضعية معيشية صعبة، مع غياب فرص واضحة لإعادة الإدماج في سوق الشغل.

في هذا السياق، وجه فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، من خلال النائبة فريدة خنيتي، سؤالاً كتابياً إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، يستفسر عن مآل الوعود الحكومية السابقة بخصوص توفير حلول بديلة للعاملين سابقاً في التهريب. السؤال يُعيد إلى الواجهة مسؤولية الدولة في تدبير مرحلة انتقالية عادلة تحفظ الكرامة وتضمن الدخل للمواطنين المتضررين من القرار.

ورغم إطلاق عدد من البرامج التنموية في مدن كالفنيدق والناظور، إلا أن تقارير عدة تؤكد محدودية هذه المبادرات، وضعف تأثيرها الفعلي على الفئات المستهدفة. فتوفير فرص شغل حقيقية يتطلب رؤية شمولية ترتكز على دعم المقاولات الصغرى، التكوين المهني المتخصص، وتحفيز الاستثمار المحلي.

في فاجعة مؤلمة، لقي طفل يبلغ من العمر عشر سنوات مصرعه غرقاً داخل قناة مائية مخصصة للري بجماعة أولاد ناصر التابعة لإقليم الفقيه بن صالح. ورغم تدخل السلطات ونقل الجثة إلى مستشفى سوق السبت، فإن الحادث يُسلط الضوء مجدداً على الإهمال في تدبير البنى التحتية بالمجال القروي، لا سيما تلك التي تشكل خطراً مباشراً على حياة السكان.

هذه الحوادث، التي تتكرر سنوياً في أكثر من جهة، تكشف عن ضعف الإجراءات الوقائية، وانعدام الصيانة أو الحواجز الواقية حول الممرات المائية. كما تطرح أسئلة عميقة حول غياب العدالة المجالية، وتفاوت الاستفادة من شبكات الأمان الحضري بين المدن والمناطق المهمشة.

قضت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بمراكش بالسجن ثماني سنوات في حق النائب الثاني لرئيس جماعة أنكال بإقليم الحوز، على خلفية تورطه في قضية ضرب وجرح مفضيين إلى الموت، راح ضحيتها رجل سبعيني. القرار، وإن جاء استجابة لمطلب العدالة، يعيد إلى الواجهة أهمية تخليق الحياة العامة، وتحمل المنتخبين لمسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية، في ظل تنامي مظاهر العنف والسلطة خارج إطار القانون.

في بادرة إيجابية، نظمت جمعية “آفاق مفتوحة” بسلا، بمناسبة عيد العرش، حفلاً سلط الضوء على المجهودات التي يبذلها مركز التكوين المهني والإدماج “سيدي عبد الله”. هذا المركز، الذي يُعد من ثمار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، يقدم برامج تكوينية تشمل مهن الرعاية الاجتماعية والخياطة الصناعية، ويستفيد منها العشرات من الشباب الطامح للاندماج المهني.

اعتماد المركز على مقاربات بيداغوجية حديثة، ترتكز على القرب والنجاعة، يجعل منه نموذجاً في كيفية تفعيل التكوين المهني كرافعة حقيقية لمحاربة البطالة، خاصة في صفوف الفئات الهشة والمهمشة. ويبقى التحدي هو تعميم هذه النماذج، وتعزيز جاذبية التكوين المهني كخيار أساسي وليس بديلاً اضطرارياً.

في خضم هذه الوقائع، يبدو المغرب أمام مفترق طرق حاسم: فإما الاستمرار في دوامة الوعود المؤجلة، أو التوجه نحو إصلاحات عميقة تُنهي معاناة الهامش وتفتح بوابات الأمل الحقيقي أمام المواطن. فالتهريب المعيشي، وقنوات الري المكشوفة، وقصور العدالة المجالية، كلها مؤشرات على خلل بنيوي يتطلب إرادة سياسية صلبة، وتخطيطاً تنموياً يربط بين الحاجيات العاجلة والرؤية البعيدة.

وفي المقابل، تُظهر بعض التجارب المضيئة، كالتكوين بسلا، أن التغيير ممكن إذا توفرت الإرادة والتخطيط والتشارك مع المجتمع المدني. وفي النهاية، المواطن لا ينتظر أكثر من فرص عادلة للعيش بكرامة، في وطن يُصغي لهمومه، ويضعه في صلب سياساته العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist