تلاعبات جمركية بملايين الدراهم تفضح شبكات استيراد مشبوهة: منظومة الرقابة على المحك

الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)

في ظل تصاعد وتيرة التدقيق المالي والجمركي، أماطت تحقيقات معمّقة أجرتها مصالح الجمارك في كل من الدار البيضاء وطنجة وأكادير اللثام عن ممارسات مقلقة تنذر باختلالات هيكلية في منظومة الاستيراد. فقد كشفت هذه التحقيقات عن شبكة من المستوردين تورطت في تزييف وثائق الصرف وفواتير الاستيراد بهدف التهرب من أداء الرسوم الجمركية المستحقة، مستغلين ثغرات في الأنظمة البنكية والتجارية.

التحقيقات الجمركية الأخيرة، التي انطلقت في سياق مراجعات بعدية روتينية، كشفت عن استخدام شهادات تحويل بنكي وفواتير استيراد غير مطابقة للحقيقة. ووفق مصادر عليمة، فإن بعض المستوردين دأبوا على التصريح بقيمة أدنى من الحقيقية للبضائع المستوردة، خصوصًا من الصين، لتحصيل تخفيض غير مشروع في الرسوم الجمركية.

وتتم العملية بتجزئة ثمن الصفقة الحقيقي إلى قسمين:

  • أحدهما يُحول عبر القنوات البنكية الرسمية ويُوثّق بوثائق رسمية.
  • والآخر يُدار عبر وسطاء غير شرعيين خارج المغرب، باستخدام شبكات صرف موازية خارج الرقابة المالية.

أكثر ما يثير القلق هو اكتشاف الجمارك لعمليات واسعة لتحويل أموال عبر السوق السوداء. إذ كشفت التحقيقات أن عدداً من الشركات عمدت إلى تسوية أجزاء كبيرة من صفقاتها بـاليوان الصيني عبر وسطاء غير رسميين، مقابل مبالغ تُدفع بالدرهم في المغرب، وهو ما يمثّل خرقًا صريحًا لقانون الصرف.

كما استعان المستوردون بأشخاص مقيمين بالصين لتسديد قيمة السلع للمزودين، ما يُعقّد تتبع حركة الأموال ويعكس وجود شبكة تهريب منظمة تتجاوز مجرد أخطاء تجارية فردية.

تحريات الجمارك رصدت أيضًا محاولات ممنهجة لتضليل الرقابة الجمركية عبر تقديم فواتير مضلِّلة لا تعكس القيمة الفعلية للبضائع. بل وتبيّن، في حالات أخرى، لجوء بعض المستوردين إلى اختلاق نزاعات تجارية صورية مع المصدرين بعد إرسال تحويلات مالية على شكل تسبيقات استيراد، ما صعّب عملية إعادة الأموال إلى المغرب، وزاد من غموض العمليات.

التحقيقات أظهرت كذلك استغلال عدد من المستوردين لنظام الاعتماد المستندي المعروف بـ“كريدوك” (CREDOC) ، الذي يُستخدم عادة لضمان استلام السلع قبل الأداء. غير أن بعض المتورطين استخدموا النظام لصالحهم، بدعم من وسطاء ماليين ومعشّرين، بهدف التهرب الضريبي وتحويل الأموال خارج القنوات القانونية.

التقديرات الأولية تشير إلى أن قيمة الصفقات المشبوهة بلغت نحو 750 مليون درهم (75 مليار سنتيم)، وهو رقم يعكس اتساع دائرة الظاهرة، ليس فقط من حيث حجم الأموال، بل من حيث عدد المتورطين وطبيعة الأساليب الاحتيالية المعتمدة.

في مواجهة هذا التحدي، قامت المصالح الجمركية بتطوير آليات اشتغالها بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، مع التركيز على:

  • تعزيز المراقبة البعدية من خلال تتبع سلسلة الاستيراد بأكملها، وليس فقط المرحلة الجمركية.
  • الربط البنكي والجمركي المعلوماتي للحد من الفجوة بين القيمة المصرّح بها والحقيقية.
  • إبرام اتفاقيات تعاون دولي لتبادل المعلومات مع الإدارات الجمركية في البلدان المصدّرة، وعلى رأسها الصين.
  • التنسيق مع الفيدراليات المهنية لوضع مؤشرات تقييم خاصة بكل قطاع، تحدد القيم الحقيقية للسلع.

هذه القضية تطرح تساؤلات محورية حول مدى فعالية نظام الرقابة المالية والجمركية بالمغرب، ومدى قدرة المؤسسات على رصد ممارسات احتيالية مركبة تتورط فيها أحيانًا أطراف داخل الجهاز البنكي أو التجاري.

كما تعيد إلى الواجهة الحاجة إلى تقوية الرقابة القبلية والبعدية، وتعزيز العقوبات الزجرية لردع الفاعلين الاقتصاديين المنحرفين عن مسار الشفافية والامتثال.

ما كشفت عنه تحريات الجمارك لا يمثّل فقط قضية فساد معزولة، بل مؤشرًا خطيرًا على وجود شبكات تهريب مالي وتجاري تستخدم أدوات حديثة وتستغل ثغرات قانونية ومؤسساتية. أمام هذا الواقع، يُصبح التحدي الحقيقي هو تأهيل المنظومة الرقابية والقضائية لمواكبة ذكاء التهريب المعاصر.

وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية والإجراءات التأديبية، تبقى الثقة في شفافية مناخ الأعمال بالمغرب مرهونة بمدى قدرة الدولة على فرض القانون… بلا استثناء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist