الملاحظ -نورة حكيم (صحفية متدربة)
شهدت صادرات كازاخستان من القمح خلال النصف الأول من عام 2025 نموًا استثنائيًا، في سياق توسّع استراتيجي تنتهجه البلاد لاختراق أسواق جديدة وتنويع شركائها التجاريين. وضمن هذا المسار، برز المغرب كوجهة جديدة وواعدة لصادرات القمح الكازاخستاني، حيث استوردت المملكة كميات غير مسبوقة خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة، لتسجّل دخولها التاريخي ضمن قائمة زبناء كازاخستان في قطاع الحبوب.
وقد تجاوزت واردات المغرب من القمح الكازاخستاني خلال هذه الفترة 158 ألف طن، وهي سابقة تؤشر إلى تحوّل في السياسة التوريدية للمملكة، التي ظلت لعقود تعتمد بشكل أساسي على القمح القادم من فرنسا وروسيا وأوكرانيا. هذا التحوّل يعكس أيضًا مدى الحركية التي باتت تطبع استراتيجية كازاخستان الزراعية، والتي نجحت خلال الفترة ذاتها في تصدير أزيد من 3.2 ملايين طن من القمح نحو عدة دول، محققة ارتفاعًا بنسبة 50% مقارنة بالعام السابق، وبقيمة بلغت 652.2 مليون دولار.
هذا التوسع في الصادرات لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة حصاد وطني استثنائي، حيث سجّل الإنتاج الكلي من القمح موسم 2024–2025 ما بين 16.5 و16.8 مليون طن، ما أتاح للبلاد فائضًا للتصدير هو الأكبر منذ أكثر من عقد. وتعزز هذا الأداء بدعم حكومي مباشر شمل تعويضات النقل، خاصة نحو الأسواق البعيدة مثل شمال إفريقيا. كما تم فتح ممرات لوجستية بديلة عبر ميناء لييبايا في لاتفيا، حيث تُنقل الشحنات الكازاخستانية برًا نحو الميناء ثم بحرًا إلى وجهات مثل المغرب والجزائر، في تجربة أولى تؤكد مرونة سلاسل التوريد الكازاخستانية خارج البحر الأسود.
اختيار المغرب كوجهة استراتيجية يرتبط بعدة عوامل، أبرزها تراجع الإنتاج المحلي بفعل الجفاف، ما خلق فجوة في الطلب الداخلي قدرتها مصادر مغربية بما يفوق مليون طن من القمح اللين. في هذا السياق، وفرت كازاخستان عرضًا تنافسيًا من حيث الكمية والجودة، خاصة في ظل توفر نحو 6.5 ملايين طن من القمح الصالح للاستهلاك الغذائي ضمن المخزون الداخلي في البلاد حتى يونيو الماضي، بزيادة تفوق 36% مقارنة بالعام السابق.
كما لا يمكن إغفال الرؤية الجيو-اقتصادية التي تحكم هذا التوجّه. فالمغرب لا يمثل فقط سوقًا استهلاكية كبيرة، بل هو بوابة استراتيجية نحو القارة الإفريقية، ما يجعله قاعدة محتملة لإعادة التوزيع أو التعاون اللوجستي في المستقبل. من جهتها، تسعى كازاخستان إلى ترسيخ مكانتها كمورّد رئيسي للحبوب في السوق العالمية، عبر تعزيز وجودها في مناطق جديدة، وفتح مسارات تجارية أقل كلفة وأكثر مرونة.
من جهة أخرى، تراجعت واردات كازاخستان من القمح بشكل ملحوظ خلال نفس الفترة، لتصل إلى 212.7 ألف طن فقط، معظمها من روسيا، وهو ما يعكس اكتفاءً ذاتيًا متزايدًا، وتأكيدًا على تحوّل البلاد من مستورد إلى مموّل أساسي للأسواق العالمية، خصوصًا في ظل التقلبات الجيوسياسية التي تؤثر على حركة الحبوب العالمية.
إن دخول المغرب إلى قائمة مستوردي القمح الكازاخستاني لا يمثّل فقط حدثًا تجاريًا ظرفيًا، بل هو بداية مسار من التعاون الزراعي الممكن توسيعه مستقبلًا، خاصة إذا أُرفق بإرادة مشتركة لتطوير سلاسل التوريد والتبادل بين البلدين. ويبدو أن كازاخستان تعي جيّدًا أهمية التموقع في أسواق شمال إفريقيا، كخطوة نحو بناء علاقات تجارية أوسع مع العالم العربي والقارة الإفريقية ككل.
في ضوء هذه التحولات، يبقى الرهان الحقيقي هو استدامة هذا التعاون، وضمان انسيابية التوريد وجودته على المدى المتوسط والطويل، في ظل المتغيرات المناخية، وسوق عالمية لا تخلو من التوترات والعراقيل. ومع قرب انطلاق موسم زراعي جديد تشير التوقعات إلى تراجع في الإنتاج بفعل تحوّل العديد من المزارعين نحو المحاصيل الزيتية، يبقى على المغرب وكازاخستان استثمار الزخم الحالي لتأسيس شراكة أكثر استقرارًا وتوازناً في المستقبل القريب