الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
في مشهد أثار استياءً واسعًا وفتح باب الجدل مجددًا حول ممارسات شركات الطيران منخفضة التكلفة، شهد مطار صوفيا الدولي في بلغاريا، يوم 24 يوليوز 2025، حادثة إنسانية مؤلمة، بطلتها سيدة مُنعت من الصعود إلى طائرة تابعة لشركة “راين إير” بحجة تجاوز حقيبتها الشخصية للأبعاد المسموح بها، رغم نجاحها في إدخالها داخل القالب المخصص لقياس الأمتعة.
وبحسب شهود عيان، فقد طالبتها شركة الخدمات الأرضية بدفع 75 يورو كرسوم إضافية لتتمكن من السفر، لكنها رفضت، لتُمنع نهائيًا من اللحاق برحلتها نحو فيينا. السيدة انهارت أمام البوابة، وسُمع صوت بكائها وهي تحاول إقناع الموظفين أو استجداء أحد الركاب للتدخل، قبل أن تجثو على ركبتيها في لحظة وصفت بـ”الصادمة” إنسانيًا.
لكن الحادث لم يمر مرور الكرام. فقد تدخل وزير النقل البلغاري بشكل عاجل، وأمر بفتح تحقيق رسمي في الواقعة، مع فرض غرامة على شركة الخدمات الأرضية المتعاقدة مع “راين إير”، وهي شركة “غولد إير هاندلنغ بلغاريا”. كما لمح الوزير إلى إمكانية سحب ترخيصها المستقبلي إن تكررت مثل هذه التصرفات، التي وصفها بـ”غير اللائقة والمنافية لقواعد الخدمة العمومية”.
في المقابل، ردّت شركة “راين إير” في بيان رسمي، بأن الراكبة لم تلتزم بسياسة الشركة الصارمة المتعلقة بحجم الأمتعة المحمولة ضمن تذاكر السفر الاقتصادية، وأشارت إلى أن “الاجراءات التي تم اتخاذها كانت ضمن البروتوكول المعتمد”. ورغم ذلك، لم تُقدِّم الشركة أي توضيح بشأن كيف تمكنت الحقيبة من الدخول ضمن أداة القياس، ولا لماذا لم يتم التعامل مع الموقف بمزيد من المرونة.
ما كشفته هذه الحادثة يتجاوز مجرد سوء تفاهم عابر. فقد تبين أن موظفي بوابات الصعود في “راين إير” يحصلون على مكافآت مالية صغيرة (1.5 يورو) عن كل رصد لحقيبة تتجاوز الأبعاد المحددة، ما يطرح علامات استفهام حول وجود دافع ربحي مبطَّن يدفع إلى التشدد في تطبيق القوانين، حتى في الحالات التي قد تستدعي التقدير الإنساني أو المهني.
ويقول مراقبون إن هذا الحادث ليس الأول من نوعه، بل يأتي ضمن سلسلة حوادث مماثلة في مطارات أوروبية ومغاربية، حيث يتعرض المسافرون، خصوصًا عبر شركات الطيران منخفضة التكلفة، لتجارب مريرة بسبب ما يعتبرونه “سياسات غير مرنة تستهدف الرسوم قبل الراحة”.
كما تُتهم بعض الشركات، وفي مقدمتها “راين إير”، بالتركيز المفرط على تحصيل رسوم إضافية لقاء الخدمات الثانوية، مثل الأمتعة المحمولة واختيار المقاعد، بما حول تجربة السفر إلى مشقة حقيقية للكثير من الركاب.
رد الفعل الرسمي البلغاري على الحادثة، سواء من حيث التحقيق أو التهديد بسحب التراخيص، يعكس توجهًا أوروبيًا متصاعدًا لإعادة ضبط العلاقة بين شركات الطيران والمسافرين. ففي أواخر 2024، فرضت إسبانيا غرامات بقيمة 179 مليون يورو على عدد من شركات الطيران منخفضة التكلفة، بينها “راين إير”، بسبب ما وصفته بـ”الممارسات التجارية التعسفية”، وعلى رأسها فرض رسوم على حقائب اليد.
ورغم طعن الشركة في تلك العقوبات أمام القضاء الأوروبي، إلا أن الرسالة باتت واضحة: لا يمكن أن تستمر هذه الشركات في العمل بنفس الذهنية، خصوصًا في ظل تصاعد وعي المسافرين بحقوقهم وتزايد الأصوات المطالبة بتشديد الرقابة.
قصة السيدة التي مُنعت من ركوب الطائرة في صوفيا ليست فقط عن حقيبة يد، بل عن حدود العلاقة بين الراكب ومقدم الخدمة، عن كيفية تطبيق القوانين، وعن مسؤولية الشركات في ضمان الكرامة قبل الأرباح.
إنها تذكير بأن السفر ليس مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى، بل تجربة إنسانية يجب أن تظل مشبعة بالاحترام، والتفاهم، والعدالة.