الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بحرية التعبير وتنظيم العمل الإعلامي بالمغرب، تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة النظر في المنظومة القانونية والتنظيمية الحاكمة لهذا القطاع الحيوي. محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير “حاتم”، أطلق خلال مائدة مستديرة نظمتها الجمعية ناقوس الخطر محذرًا من “تهديد مباشر يطال الجسم الإعلامي الوطني”، ومشدّدًا على ضرورة وضع أسس حقيقية لإصلاح شامل يعكس التحولات الجارية على المستويين المحلي والدولي.
المائدة المستديرة، التي حملت عنوان “حوار الجسم الإعلامي لتأطير المهنة وصون حرية التعبير”، لم تكن مجرد لقاء مهني، بل منصة مفتوحة دعت إلى صياغة أرضية موحدة تجمع الصحافيين، والفاعلين الإعلاميين، وصنّاع القرار، في أفق بلورة ميثاق وطني يحمي استقلالية الإعلام ويعزز حرية التعبير باعتبارها ركيزة أساسية في البناء الديمقراطي.
العوني انتقد ما وصفه بـ“تغوّل الأغلبية” في الدفع نحو إحداث هيئات تنظيمية دون توفر توافق وطني أو إطار قانوني شامل ومؤسس، مشيرًا إلى أن التعديلات التي طالت المجلس الوطني للصحافة لا تمثل سوى جزء من أزمة أعمق تتطلب حوارًا وطنيًا صريحًا وغير إقصائي.
لكن الأزمة لا تقتصر فقط على الشأن الداخلي، إذ لفت العوني إلى خطر السيطرة الرقمية الأجنبية، مشددًا على أن “التحكم في أدوات التواصل لم يعد مسألة تجارية فقط، بل صار مدخلًا ناعمًا للهيمنة الثقافية والفكرية، ولتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالح القوى الرأسمالية الكبرى”. وأوضح أن شركات عملاقة مثل غوغل وفيسبوك لم تعد تكتفي بتحقيق الأرباح، بل أصبحت فاعلاً رئيسيًا في توجيه الذوق العام وتضييق هامش التعبير الحر.
في هذا السياق، دعا المتحدث إلى تبني استراتيجية مغربية تدريجية، منفتحة على التعاون مع دول عربية وإفريقية، في سبيل تحصين الفضاء الرقمي والإعلامي الوطني من الاختراقات الأجنبية، على غرار تجارب ناجحة في آسيا وأمريكا اللاتينية.
العوني لم يفوّت الفرصة لتوجيه انتقاد مباشر لما اعتبره “غياب وعي حقيقي لدى صناع القرار بأهمية الإعلام والتواصل في المشهد الوطني”، مؤكدًا أن الأزمة الحالية لا تمس فقط الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، بل تطال كل المواطنين، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين حرية التعبير وحقوق الإنسان، والتنمية الشاملة.
ما يعيشه المغرب اليوم، حسب ما خلص إليه النقاش، ليس مجرد لحظة عابرة في تاريخ الإعلام، بل مفترق طرق يتطلب إرادة سياسية صادقة، ورؤية إصلاحية شاملة، تعيد الاعتبار لحرية الصحافة كحق دستوري وشرط أساسي لبناء مجتمع حرّ، واعٍ، ومحصّن أمام اختراقات الداخل وضغوط الخارج.