بقلم: محمد الرداف
في زمنٍ صارت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لأيدي الصغار قبل الكبار، يطرح سؤالٌ ملحّ نفسه بإلحاح: هل يفقد أطفالنا هويتهم تحت سطوة العالم الرقمي؟ وهل بدأت الأسرة تفقد دفئها لصالح عزلة صامتة تُغذّيها الشاشات؟
لم يعد خافيًا أن الإنترنت فتح أمام الأجيال الجديدة أبوابا واسعة للمعرفة، لكنه في الآن ذاته فتح نوافذ على عوالم متباينة القيم والثقافات. وبين هذا وذاك، يقف الطفل، متلقيا، مقلدا، ومتشكلا. فالهوية، كما يؤكد مختصون في علم النفس التربوي وعلم الاجتماع الرقمي، لا تُمحى بسهولة، لكنها قد تعاد صياغتها في ظل التعرض المكثف لمحتويات لا تعكس بالضرورة الخصوصية الثقافية للمجتمع.
في البيوت، لم تعد مظاهر الدفء العائلي كما كانت. مشهدٌ مألوف يتكرر يوميًا: أفراد يجلسون في نفس المكان، لكن كل واحدٍ غارق في عالمه الخاص خلف شاشة صغيرة. حضور جسدي يقابله غياب تواصلي، حتى صار الحديث العائلي ترفا في بعض الأحيان، وحلّت الرسائل القصيرة محلّ الحوار المباشر.
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فكما يمكن للهاتف أن يكون جدارًا يعزل، يمكنه أيضا أن يكون جسرا يصل. العبرة ليست في الوسيلة، بل في كيفية استخدامها. فالأسر التي تُحسن توجيه أبنائها، وتشاركهم محتواهم الرقمي، وتضع حدودًا زمنية واضحة، تنجح في تحويل التكنولوجيا من تهديد إلى فرصة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في محاربة الهواتف أو عزل الأطفال عن الإنترنت، بل في بناء وعي جماعي يُعيد التوازن بين العالمين: الواقعي والافتراضي. وعيٌ يجعل من التكنولوجيا خادما للإنسان لا سيدا عليه، ومن البيت فضاءً حيًا بالحوار لا مجرد محطة لشحن الأجهزة.
في النهاية، لا يفقد الطفل هويته إلا حين تغيب القدوة، ولا تفقد الأسرة دفأها إلا حين يستبدل الحوار بالصمت. وبين هذا وذاك، تبقى المسؤولية مشتركة… تبدأ من داخل البيت.

