صدام البدوي
يُضيّق السودان الخُطى يوماً بعد يوم، وتشتد حلقات الأزمة حول أعناق مواطنيه. لم تعد للمواطن العادي رفاهية النظر في قراءة الأحداث أو فهم تعقيدات المشهد، فكل ما يشغله هو البقاء، ومحاولة النجاة وسط واقع مادي بائس، تتزايد فيه المعاناة، وتُسلب فيه الأعمار تحت وقع حرب لا ترحم.
الحرب تأكل الأخضر واليابس، تجفّف الموارد، وتترك البلاد تتخبط بلا رؤية أو حلول. كل ما يحدث هو صراع بين أقوياء لا يعبؤون بالشعب ولا بمصيره، بل يتصارعون لأجل انتصاراتهم الشخصية، وتمسكهم بالكراسي والمكاسب. والناس، في وسط هذا الركام، يتساءلون: هل يمكن للإنسان أن يتحمّل ما هو قادم؟ وهل يملك الشعب فعلاً القدرة على التكيّف مع جحيم الحرب وتبعاتها؟
مع البطالة المتفشية، وغلاء الأسعار، والنزوح القسري، والنزاعات المجتمعية المتكررة، تفككت البنية الاجتماعية التي طالما شكّلت جدار الصد أمام التحديات. المجتمع لم يعد متماسكاً، والوحدة الوطنية تتآكل، بينما القيادة تظن أن الحرب قد انتهت، وتغض الطرف عن جيوبها المتناثرة. لكنها في الواقع لم تنتهِ، بل خرجت من العاصمة إلى أطراف البلاد، من الداخل إلى تخوم الحدود.
لقد وجدت الحرب أرضاً خصبة للنمو، بفعل الكراهية، والثارات، والانقسامات. ومع تمددها من قلب الخرطوم إلى الهوامش والحدود، باتت المعادلة أكثر خطورة، تكشف حجم التآمر الذي تتعرض له الدولة التي لم تبرأ بعد من جراح الحروب الماضية، ولا من آثار صراعاتها الداخلية.
اليوم، يقف السودان على مفترق طرق تاريخي، تتجاذبه أطراف عديدة: بين البقاء كدولة موحدة، أو الانهيار إلى كيانات متنازعة. صراع داخلي يؤججه الانقسام، وخارجي تقوده أجهزة استخبارات أجنبية تُغذّي التفكك من الداخل. فالحرب – كما هو معلوم – لها تجارها، في الداخل والخارج، واستمرارها يعني استمرار النزيف، والدمار، والتشريد، ومعاناة شعب لا حول له ولا قوة.
لكن لا يمكننا أن نواصل الصمت. فالصمت في مثل هذه اللحظة يعني التواطؤ مع تفكيك الدولة. إن الاستسلام للواقع، والتعايش مع العبث، هو بمثابة مساهمة في التدمير. لا بد أن ننهض من هذه الصدمة الجمعية، وأن نستعيد وعينا الجمعي، ونجعل من وحدتنا الوطنية سلاحاً نحتمي به.
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، التي لا يمكن عزلها عن سياق الأزمة السودانية، يتضح جلياً أن ما يجري في السودان ليس بمعزل عما جرى ويجري في دول مثل ليبيا، سوريا، لبنان، والعراق. كلها دول دفعت ثمن تآمر إقليمي ودولي، بدأ مع موجة “الربيع العربي” ولم ينتهِ بعد، بل تطور إلى حروب أهلية مسلحة وتمدد لمليشيات منفلتة.
إن الغرب، عبر أذرعه في الخليج وأفريقيا، يدفع نحو خلق بيئة دائمة للصراعات في منطقتنا، يروّج للفوضى، ويهيّئ المناخ لسيطرة المليشيات، ونهب الموارد، وقهر الشعوب. وهنا يطرح التساؤل الجوهري نفسه: أين دور الشعوب؟ ما هي الرؤية الوطنية المطلوبة لمجابهة هذا الاستعمار الحديث، ومتى نعيد ترتيب أولوياتنا ونخرج من عباءة الاصطفاف الأعمى خلف مشاريع الآخرين؟
إن مواجهة هذا الواقع تحتاج إلى مشروع وطني حقيقي، بعيد عن المصالح الضيقة والانتماءات العرقية والجهوية، مشروع جامع تتوحد حوله القوى الوطنية والشعبية، ويعيد للسودان هيبته، ولشعبه كرامته.
لقد آن الأوان أن نستفيق، ونرفض تحويل بلادنا إلى ساحة للصراعات بالوكالة. الوطن أكبر من الجميع، ومستقبل الأجيال القادمة أمانة في أعناقنا. فهل نعي الدرس… أم نواصل السير نحو الهاوية؟