من قطع الرأس إلى كسر العمود الفقري.. استراتيجية الاحتلال الجديدة

بقلم: فادي أبو بكر

فشل الاحتلال الإسرائيلي على مدار العقود الماضية في القضاء على حركات التحرر الوطني الفلسطيني من خلال استراتيجية “قطع الرأس”، التي اعتمدت على اغتيال القادة وضرب البُنى التنظيمية، فبقيت فتح وغيرها من الفصائل المنضوية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية وحتى حركتا حماس والجهاد الإسلامي صامدتان رغم كل الضربات.

إلا أن تحوّل سلوك حماس، لا سيما من خلال عملية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 التي كانت غير مدروسة سياسياً واستراتيجياً، قدّم للاحتلال الإسرائيلي الذريعة التي كان ينتظرها للانتقال إلى استراتيجية مدمّرة، يمكن تسميتها بـ” كسر العمود الفقري”، حيث لم يعد الاحتلال يكتفي باغتيال القيادات أو ضرب البنية العسكرية والتنظيمية، بل اتّجه نحو استهداف الوجود الفلسطيني برمّته، من خلال القتل الجماعي، والتجويع، والتدمير الممنهج للبنية التحتية والاجتماعية والاقتصادية، بهدف تهجير السكان وتقويض مقومات الصمود، في محاولة لكسر الإرادة الجماعية وإفراغ الأرض من شعبها، تحت غطاء مواجهة “التهديد الوجودي” الذي يروّج له قادة الاحتلال.

وفي مقابل هذا، يقف العالم متفرجاً. خذلان في العلن وآخر في الظلال، والقرار بالانخراط الفوري من قبل حركة حماس في اتفاق الهدنة بغزة مهما كان صعباً أو مكلفاً بالنسبة لها، لا بدّ منه الآن لوقف مجزرة التجويع ووقف ابتزاز المرتزقة وتجّار الحروب، فاستمرار مواجهة هذه الحرب على طريقة حماس في ظل هذا الحجم من الدمار والكارثة الإنسانية ليس بطولة، بل انتحار سياسي وأخلاقي. والتوقف اليوم لا يعني نهاية المقاومة بمفهومها الأشمل والأعمّ، بل هو ضرورة حيوية للحفاظ على من تبقى، والبدء في إعادة التفكير في المسار، والخروج من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل السياسي المتزن. حيث أن وقف المجزرة ومنع التهجير وتخفيف معاناة المدنيين ينبغي أن تكون أولويات لا تحتمل التأجيل، مهما بلغت كلفة القرار.

الاحتلال يسعى اليوم لتحطيم الإرادة الجماعية للفلسطينيين، لكنه يجهل أن هذا الشعب الذي مرّ بنكبات متعاقبة، وُلد من جديد في كل مرة. والمعركة الحالية لا يمكن حسمها فقط بالسلاح، بل تحتاج إلى حنكة سياسية، ووحدة وطنية، ورؤية تتجاوز الفصائلية، وتستعيد المشروع الوطني من بين الركام، بما يضمن تعبيره عن تطلعات الناس وآمالهم، لا عن حسابات اللاعبين في العتمة.

إن معركتنا مع الاحتلال الإسرائيلي مستمرة وطويلة، لكن حسمها لا يكون دائماً في الميدان، بل أحياناً في القرار، حين يُتّخذ بشجاعة ومسؤولية، لإنقاذ ما تبقى من حياة، ولإبقاء جذوة النضال مشتعلة من دون أن تلتهم أصحابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist