من مضيق هرمز إلى جيب المواطن: كيف تتحول الحرب إلى غلاء في المغرب؟

الملاحظ – بقلم سلسبيل كوثر الرايس     

الحروب لا تقاس فقط بعدد الصواريخ التي تطلق، بل بعدد الفواتير التي تعاد كتابتها. وحين يتوتر مضيق هرمز -الشريان الذي يمر عبره نحو خمس نفط العالم- لا ترتجف أسواق الطاقة وحدها، بل ترتجف معها ميزانيات الأسر في دول تبني استقرارها على طاقة تستوردها من الخارج. عندها لا يبقى الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خبر دولي بعيد، بل يتحول إلى آلية صامتة لإعادة تسعير الحياة اليومية: النفط، النقل، الغذاء، وكل ما ينتهي في النهاية على مائدة المواطن. في تلك اللحظة يسقط وهم الاستقرار الذي تصنعه لغة الأرقام، ويبرز السؤال الحقيقي الذي تطرحه كل صدمة طاقية: من سيدفع الثمن داخل الدول المستوردة للطاقة مثل المغرب—الدولة أم السوق أم المجتمع؟

ومن هنا يصبح الحديث عن مضيق هرمز ليس مجرد تفصيل جغرافي، بل مدخلا لفهم كيف تتحول حرب بعيدة إلى ضغط مباشر على الاقتصاد المحلي. فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، إذ تشير بيانات هيئة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن تدفقات النفط عبره بلغت في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية. وهذه المكانة تجعل أي توتر فيه قادرا على إعادة تسعير سلاسل كاملة من الأنشطة الاقتصادية -من النقل البحري إلى التأمين-حتى قبل أن ينقص برميل واحد فعليا من السوق.

ومنذ مطلع مارس 2026 بدأت الأسواق بالفعل تعكس هذا التوتر، مع ارتفاعات ملحوظة في أسعار النفط وتزايد القلق في أسواق الطاقة وتراجع شهية المخاطرة عالميا. غير أن ما يهم في مثل هذه الأزمات ليس السعر الفوري وحده، بل ما يمكن تسميته “سعر اللايقين”. فكل فاعل في السوق -من المستوردين إلى شركات النقل والتأمين والممولين- يضيف هامش أمان لحماية نفسه من المخاطر المحتملة، فتتراكم هذه الهوامش عبر السلسلة الاقتصادية إلى أن تصل في النهاية إلى المستهلك.

لكن الأثر لا يقف عند هذا الحد. ففي أوقات الاضطراب لا يظهر فقط “ثمن الخوف”، بل يظهر أيضًا “ثمن الانتهاز”. إذ تتسع الفجوة بين الكلفة الحقيقية والأسعار المعلنة، وتجد بعض الفاعلين في السوق فرصة لرفع الأسعار استباقيا أو تضخيم كلفة النقل والتوزيع، أو حتى تخزين السلع انتظارا لارتفاع أكبر. وهكذا تتحول الأزمة الدولية، في غياب شفافية صارمة ورقابة فعالة، إلى فرصة للربح غير المبرر، يدفع ثمنها المستهلك مرتين: مرة بسبب السوق العالمية، ومرة بسبب ممارسات داخلية تستثمر في الخوف والارتباك.

في هذا السياق يظهر بوضوح مدى انكشاف الاقتصاد المغربي أمام صدمات الطاقة. فالمغرب، وفق معطيات رسمية لقطاع الطاقة، يعتمد على استيراد نحو 90% من حاجياته الطاقية. ولا يكمن معنى هذا الرقم في حجمه فقط، بل في دلالته البنيوية: اقتصاد يعتمد على الخارج في طاقته سيستورد أيضا تقلباته. وهكذا تتحول أي أزمة جيوسياسية في مناطق إنتاج النفط أو مساراته البحرية إلى ضغط مباشر على الميزان التجاري والمالية العمومية والقدرة الشرائية للأسر.

وعندما ترتفع كلفة الطاقة لا يصل أثرها عبر قناة واحدة، بل عبر ثلاث قنوات متزامنة: الحساب الخارجي، والتضخم المستورد، والشرعية الاجتماعية. ففي قناة الحساب الخارجي يكفي ارتفاع الأسعار بضعة أشهر حتى يتسع العجز التجاري ويضغط على الحساب الجاري، خصوصا إذا تزامن ذلك مع ارتفاع واردات الغذاء. وقد أظهرت تجربة 2022 كيف اتسع عجز الحساب الجاري إلى 3.5% من الناتج بسبب تضاعف فاتورة الطاقة وارتفاع واردات الحبوب، ما يعكس مدى حساسية الاقتصاد الوطني لتقلبات الأسواق الدولية.

أما قناة التضخم فهي الأكثر حضورا في حياة المواطنين اليومية. فارتفاع كلفة الطاقة ينتقل سريعً إلى النقل، ومنه إلى أسعار الغذاء والخدمات. صحيح أن متوسط التضخم في 2025 ظل منخفضا نسبيا، لكن هذه الطمأنينة الرقمية تبقى مشروطة بفرضيات الاستقرار. وما إن تتغير هذه الفرضيات حتى يتحول التضخم إلى تضخم مستورد، تحركه كلفة الوصول: ثمن الطاقة مضافا إليه النقل والتأمين والتمويل في سياق دولي مضطرب.

وهنا تظهر المعضلة النقدية. فقد أبقى بنك المغرب سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25% في نهاية 2025 في سياق تضخم منخفض نسبيا. غير أن استمرار صدمة الطاقة قد يضع السياسة النقدية أمام خيار صعب: تشديد الفائدة قد يخفف انتقال التضخم، لكنه يضغط على الاستثمار والنمو؛ أما الإبقاء عليها منخفضة فيعني انتقال جزء أكبر من الزيادة إلى الأسعار. وفي الحالتين تصبح السياسة النقدية أداة لإعادة توزيع كلفة الصدمة داخليا، لا وسيلة لمعالجة مصدرها الخارجي.

غير أن جوهر الاختبار الحقيقي لا يتعلق بالسياسة النقدية وحدها، بل بسؤال الدولة الاجتماعية. فالمغرب عرف خلال العقد الأخير تحولا في فلسفة الدعم، توجه تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، ما نقل جزءا كبيرا من مخاطر تقلبات النفط من الدولة إلى الأسر والمقاولات الصغيرة. ومع تقليص مخصصات المقاصة في السنوات الأخيرة، تصبح قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الطاقية أكثر محدودية، وهو ما يطرح سؤالا مباشرا حول كيفية توزيع كلفة الأزمات الخارجية داخل المجتمع.

ويزداد تعقيد هذا الوضع عندما تؤخذ في الاعتبار كلفة الشحن والتأمين التي ترتفع عادة في أوقات النزاعات. فالتوتر في الممرات البحرية لا يرفع أسعار النفط وحدها، بل يرفع أيضا كلفة التجارة العالمية. وبالنسبة لاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الواردات الطاقية وعلى التجارة البحرية، فإن ارتفاع هذه الكلفة قد ينعكس سريعا على أسعار السلع وعلى تنافسية الصادرات، خصوصا إذا تزامن ذلك مع تباطؤ اقتصادي لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين.

ومع ذلك، فإن الأزمة لا تصبح اجتماعية بالكامل إلا عندما تلتقي الصدمة الخارجية مع اختلالات السوق الداخلية. ففي غياب شفافية كافية حول تركيب الأسعار وهوامش الربح وسلاسل التوزيع، يمكن لبعض الفاعلين تحويل الأزمات إلى فرصة للريع: رفع الأسعار قبل ارتفاع الكلفة الفعلية، تخزين السلع لخلق ندرة مصطنعة، أو استغلال الغموض في بنية السوق لتحقيق أرباح استثنائية. وهنا يظهر بعد آخر للأزمة يتعلق بتضارب المصالح وضعف المنافسة الفعلية داخل بعض القطاعات الحساسة.

ومع ذلك لا يعني هذا التحليل إنكار عناصر القوة في الاقتصاد المغربي. فمصادر مثل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج ساهمت في تخفيف الضغط على الحساب الجاري في السنوات الأخيرة. غير أن هذه المصادر تبقى مرتبطة بدورة الاقتصاد العالمي، ما يجعلها غير كافية لوحدها إذا تحولت صدمة الطاقة إلى أزمة ممتدة.
إن ما يجري اليوم في الخليج ليس حدثا بعيدا يتابع على الشاشات، بل اختبار مباشر لقدرتنا على حماية مجتمعنا من ارتدادات عالم مضطرب. فالدولة التي تكتفي بشرح أسباب الغلاء دون أن تبني أدوات لتخفيفه، تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة تقلبات لا يد لهم فيها. والعدالة الاجتماعية لا تقاس في زمن الرخاء، بل تقاس في لحظة العاصفة: حين ترتفع الأسعار، وحين تضيق الهوامش، وحين يطلب من الناس “تفهم الظرفية”.

لهذا فإن السؤال الأعمق الذي تطرحه “صدمة هرمز” ليس كم سيبلغ سعر النفط، بل ما الذي تبقى من مفهوم السيادة الاقتصادية والاجتماعية في اقتصاد يعتمد على الخارج في طاقته ويتأثر تمويله بمزاج الأسواق الدولية. وهل تستطيع الدولة أن توفق بين ضبط المالية العمومية وحماية القدرة الشرائية دون الوقوع في دوامة ترقيع مستمر للأزمات؟

المطلوب اليوم ليس خطاب طمأنة، بل قرار سياسي واضح: تقليص الانكشاف البنيوي، توزيع عادل للكلفة، شفافية في التسعير، وحماية فعلية للفئات الأكثر هشاشة. لأن ترك السوق وحده يدير الصدمة يعني ترك المجتمع يدفع الثمن كاملا. وترك الدولة مقيدة بالأرقام وحدها يعني اختزال العدالة الاجتماعية في جداول محاسبية.

إن حرب أمريكا وإيران قد لا نملك إيقافها، لكننا نملك أن نقرر كيف نواجه آثارها. إما أن نستمر في إدارة النتائج كل مرة، أو نختار معالجة الأسباب. إما أن نبقى أسرى نار الخارج، أو نبني قدرة داخلية تجعل حسابات الداخل أقوى من تقلبات العالم.

وسيبقى السؤال أمام صناع القرار واضحا وبلا مواربة: هل نريد اقتصادا يتحمل فيه الأضعف كلفة الاضطراب الدولي، أم دولة تجعل من العدالة الاجتماعية خط الدفاع الأول في زمن الأزمات؟

في النهاية، لا تقاس قوة الدولة الاجتماعية في أوقات الاستقرار، بل في لحظات الاضطراب. فحين يشتعل العالم وتضيق الهوامش، يتحدد معنى السياسة بوضوح: إما أن تكون أداة لحماية المجتمع وتوزيع كلفة الأزمات بعدالة، أو أن تتحول إلى مجرد تفسير رسمي للغلاء. والغلاء قد يكون مستوردا بالفعل، لكن السماح بتحويله إلى ريع داخلي ليس قدرا اقتصاديا بل خيار سياسي. لأن المجتمع لا يثور من الأزمة وحدها، بل من الإحساس بأن الأزمة تدار ضده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist