الملاحظ -نورة حكيم (صحفية متدربة)
أعلن المنتزه الوطني للنقوش الصخرية عن كشف أثري بارز في جماعة تافراوت المولود بإقليم تيزنيت، حيث تم اكتشاف موقع نقوش صخرية جديد أُطلق عليه اسم “وادي البقر” بالأمازيغية Assif n’izgaren. جاء هذا الكشف الميداني بعد جولة قام بها مدير المنتزه منتصر لوكيلي والباحثان عبد الهادي فك وجمال البوقعة، بتعاون وثيق مع أبناء المنطقة يوم 30 يوليوز 2025، ما يعكس اهتمامًا جماعيًا في حماية هذه الذاكرة الحجرية.
يتسم موقع “وادي البقر” بتنوع وثراء ملموس في النقوش: رسوم لأبقار مدجنة بأحجام متعددة، بالإضافة إلى صور متراكبة تعكس مراحل زمنية مختلفة. هذا التراكب يُظهر استمرار التفاعل البشري مع الموقع عبر أجيال، كما يوحي بفن تقني متطور كُتبت عليه مهارات الإنسان القديم في الرصد والتوثيق البيئي والفني.
ما يميّز الموقع أيضًا هو تواجد نقوش حديثة تعكس رموزًا معاصرة مثل السيارات ووجوه بشرية بأسلوب محسِّن، وهو ما يعكس حضور هذه النقوش في المخيال الجماعي كما قال الباحث الفرنسي فردريك أمبر: “النقوش تجذب النقوش”. وهذا يعزز فكرة أن الموقع لم يُهمل بين القدماء وحدهم، بل ظل محط اهتمام ممتد في دواخل المجتمع المحلي حتى اليوم.
في إطار الجهود الأثرية الوطنية، يُعد “وادي البقر” خطوة علمية نوعية في سياق جرد وتوثيق المواقع الصخرية بالمغرب، الذي يشمل مئات المواقع في جبال الأطلس، وجنوب المغرب، وسهول الأطلس الصغير. فإلى جانب مواقع معروفة مثل أكوكول وآيت واوزغت ويادين، يثبت هذا الاكتشاف أن هناك مناطق حيوية لم تُستكشف بعد.
تشير التقارير الحديثة إلى أن عدد مواقع فنون الصخور الموثقة في المغرب ارتفع من حوالي 200 في الثمانينات إلى أكثر من 800 موقع اليوم، بفضل جهود التوثيق والتدريب الميداني وتنظيم الندوات المتخصصة . ويُأمل أن يُدرج “وادي البقر” ضمن البرامج الوطنية لحماية التراث، مع إعداد زيارات أكاديمية منظمة، وتعزيز إشراك الباحثين والجمعيات المحلية في إعداد ملف علمي شامل.
في منطقة تزدان بطبيعتها المهيبة وجمالها الثقافي، يُمكن أن يُعتبر الاكتشاف السياحي الجديد “وادي البقر” إضافة ذات قيمة استراتيجية، يقترن بالفنون الصخرية والمواقع السياحية الأخرى القريبة مثل نقوش غزلان تازكّا بمنطقة أسفل الأطلس .
هذا الإنجاز العلمي يعيد رسم خارطة التراث الصخري بالمغرب، ويكشف مجددًا كيف ظل الإنسان القديم يعبر عن ذاته ورؤيته للعالم عبر الحجر. إنه ليس مجرد نقش، بل سردٌ بصري لتاريخ طويل يحمل في طياته الإنسانية والإبداع والتعايش مع البيئة.
إنه موقع جديد يُدعى الآن لأن يُعرف، ويُحفظ، ويُدرَس، ويُعرض، ليبقى شاهدًا حيًا على أصالة حضارة سكنت في قلب صخر الأطلس، ونسّجت بها قصصها عبر حاجة الإنسان إلى التعبير والاعتراف بهويته.