بقلم: عبد الرحمان البدراوي
تعيش الساحة الإعلامية هذه الأيام على صفيح ساخن، إلى درجة أصبح العُديد من المتتبعين يقرّون أن هناك أمرًا ما لا يمكن أن نستأنس به حفاظًا على الجسم الصحفي، وحفاظًا على صورته وتاريخه الضاربين في الذاكرة الإعلامية. لكن الغريب في الأمر أن الحالة الاستثنائية التي تعيشها هذه الساحة اليوم مكنت عددًا من المؤسسات من الدلو بدلوها في موضوع كان حريًا بها أن تتعاطى معه من زاوية أخرى غير تلك التي تتبناه اليوم. فاقتحام عدد من الأشخاص للحدث لم يكن من أجل التشخيص أو الفهم أو الإدراك، بل كان من أجل صب الزيت على النار، حتى نفقد بوصلة التقييم الموضوعي، وهذا أمر يؤسف له كثيرًا. وكون الأمر هنا يهم القطاع الصحفي، فالأكيد أنه يتوفر على حكماء، وعلى أناس لهم من الحكمة والتعقل لتجاوز الوضع، خدمة للحاضر والمستقبل، خاصة وأن بلادنا مقبلة على تظاهرات عالمية وتعيش أحداثًا وطنية كبرى، بل هي اليوم أكثر مما مضى بحاجة إلى إعلامها وصحفييها، ولأي مواطن غيور على مصالحها.
إن الذين يريدون إقبار وتسميم المشهد الصحفي من خلال خرجات قد لا تليق بهم كأشخاص في مواقع حساسة، يطرحون أكثر من علامات استفهام، وكان حريًّا بهم أن يوجهوا اهتمامهم إلى قضايا هي في صلب اختصاصاتهم، عوض تأجيج الوضع الإعلامي والضرب تحت الحزام والإجهاز على المكونات الصحافية، بل على مؤسسات لا يمكن لهم العيش بدونها. وهذا وضع يتطلب من كل الصحفيين الانتباه إليه حتى لا تضيع نضالات مستمِرة كان من ورائها صحفيون وصحفيات شرفاء أمناء برسالتهم النبيلة على مدار عقود، على اعتبار أن الصحافة مرآة للوطن وصوتًا لمن لا صوت له، بل هي تضحية غالية من أجل نهضته وتقدمه.
وفي ذات السياق، على الحكماء في هذا القطاع أن ينتبهوا جيدًا إلى الوضع العام الذي يمر به ذات القطاع، وأن يعملوا سويًا على تشخيصه بشكل ممنهج. فليس العيب في الاختلاف، ولكن العيب في سن فلسفة القطيعة والتخوين والتنكر لتاريخ الصحافة المغربية ونضالاتها، من أجل بناء موقع تكون فيه صحافتنا نموذجًا للرقي وصورة لمؤسسات إعلامية تواكب التطور وكل ما جادت به التحولات التكنولوجية، عوض السقوط في متاهات لا تزيد الطين إلا بلة. وكما أسلفنا، فلنا حكماء بإمكانهم النأي بصحافتنا عن رواسب فكرية وسياسية قد تعمق جراح الجسم الصحافي، وتلكم هي غاية المتربصين لكل خطوة تسعى إلى ترصيص العمل الصحافي وضبط توازنه والدفع به إلى مصاف الإعلام العالمي منهجًا وعلمًا ومعرفة.
وكل ما يدعو للاستغراب اليوم، أننا أمام غرباء عن المشهد الصحفي يتقمصون دور النبلاء، ليس من أجل تحجيم الاختلاف بين مهني الصحافة، وإنما الهدف خلق نوع من التشنج بين العاملين في هذا المجال، وبالتالي الوصول إلى أهداف معينة، من بينها التخوين، وتشتيت المشهد وتجزيئه إلى ما يمكن أن نسميه خلايا تدفع في هذا الاتجاه أو ذاك. وما علينا إلا استشفاف أبعاد هذه الهرولة من خلال مواقع المؤثرين الذين، للأسف الشديد، أصبحوا بين عشية وضحاها “صحفيين” يدلون بدلوهم في قضايا ليسوا مؤهلين لصياغة ولو فكرة موضوعية حولها. وإنما حضورهم في هذا المنعطف جاء من أجل الفرجة، وهذا النوع من التجني لا يليق بأشخاص يغردون خارج الصرب، ولا حق لهم بدخول حقل له خصوصيته وله حماة، رغم الاختلاف ورغم الانكسارات… فالصحافة ممكن أن تمرض لكنها لا تموت.
وعلى عكس ما يتوهم المتربصون، فالسيادة لذوي الاختصاص ولذوي النيات الحسنة في صيانة المشهد الصحفي وحمايته من الدخلاء والعبثيين وأصحاب المواقف الفجة. وما علينا إلا أن نرسم بمداد من الفخر أننا في بلد معطاء له أصالة وتقاليد، هما منبع تاريخنا الذي يشهد لنا بالعِرّة الوثقى والتلاحم في أكثر من محطة.

