بقلم: عبد الرحمان البدراوي
تدخل الحرب الامريكية الاسرائيلة الايرانية بداية اسبوعها الاول من الشهر الثاني دون ان تحقق القنوات الديبلوماسية التي تقودها باكستان او تلك التي تحاول الصين خوض غمارها في المستقبل من الايام، بل هناك محاولات يائسة لبعض الدول الاوريبية التي تفاقم وضعها الاقتصادي بسبب الوضع الذي يعيشه مضيق هرمز احد الممرات البحرية الهامة في مجال النقل والامدادات البترولية ومشتقاتها.
فالاكيد ان هذه الحرب التي اشتعلت بداية من نهاية شهر فبرايرالماضي ودون سابق انظار،بل انطلقت في وقت كانت هناك تفاهمات حذرة بين امريكا وايران وان كانت هناك اشارات توحي ان هناك هوة لاضفاف لها بين البلدين. وعلى النقيض من ذلك كانت هناك مؤشرات توحي بأن مايشبه حربا وجودية قادمة، وكل الاطراف كانت تدرك الامر بشكل واقعي ،مادامت مطالب الامريكي والايراني على تناقض كبيريستحيل من المنطق الجيوسياسي تحقيقها، على اعتبار ان مصالح البلدين تبقى متباينة خاصة وان للرئيس الامريكي رونالد ترامب له قراءات متعددة،بل خلفيات متناقضة للوضع في المنطقة، فيما الموقف الايراني له ايضا حسابات استراتيجية قد يمتجز فيها العقائدي بالسياسي وجانب من التاريخي.
فيما اللاعب الثالث ويتعلق بالجانب الاسرائيلي الذي كان حاضرا في الحرب الاولى والثانية بل محركا لها حسب العديد من المحليين، لاعتبارات متداخلة منها الدعم المباشر لوكلاء ايران بالمنطقة خاصة حزب الله في لبنان والحوتيين باليمنىوالحشد الشعبي بالعراق ثم حماس بالضفة الغربية.
لكن الهاجس الكبير لدى القادة الاسرائلين هو القفزة النوعية والكمية التي حققتها ايران في المجال النووي رغم الحصار الفروض عليها منذ امد بعيد، اضافة الى تقدمها الكبيرفي القطاع العسكري بما ذلك الصواريخ الطويلة المدى وحمولتها التقنية والفنية وهو ما كانت تعتبر تهديدا وجوديا لها، ان لم تقل حسب العديد من المعطيات ان ايران واسرائيل لهما نفس الرغبة في التمدد الاستراتيجي بالمنطقة.
لكن امام هذا التخوف الملموس لدى القادة الاسرائليين، فإن ذلك لايخفى رغبتهم اولا في الظهور بمظهر القوة الاولى بمنطقة الشرق الاوسط، بل العمل على تغييره، وبنائه على مقاسها، وهي رغبة عبر عنها اكثر من مسؤول اسرائيلي علنا في مراحل متعاقبة قبل الحرب وفي خضمها.
ومن هنا كان للحرب الاسرائيلية الامريكية الايرانية دلالات على ان تحقيق الزعامة لدى الاطراف الثلاث لا يمكن لها الا ان تصاغ في سياق جديد تكون فيه الابعاد الاستراتيجية متأسسة في مجملها على القوة و النفوذ تحت عناوين متباينة ومنتاقضة مع القانون الدولي.
ولعل هذا ما يستشف من تصريحات الرئيس الامريكي رونالد ترامب فتارة لا يهم مضيق هرمز، وتارة اخرى يؤكد على رغبته في الاستحواد على الاورنيوم المخصب الايرني، وتارة اخرى يجعل من الاخيار العسكري محطة لاستثباب الامن العالمي… اضافة الى ذلك من المطالب التي سبق وان حددها في خمسة عشرة مطلبا كأساس للحوار مع ايران لتوقيف الحرب، فيما يصر على رفض المطالب الخمسة الايرانية التي يتقدمها المطلب المبدئي المتمثل في ايقاف الحرب كشرط اولي للحوار.
وعلى خلاف ذلك لايمكن ان نلمس اي اشارات من الجانب الاسرائيلي، وكأننا بها ترغب في ايطال امدها رغم ما لحق بها من اضرار جسيمة ورغم الرقابة العسكرية التي تفرض على الساحة الاسرائيلية.
وبمعنى اخر فالجانب الامريكي والاسرائيلي مصران على تدمير كل مرافق الحياة في ايران وقدرتها العسكرية، لكن هذا الاصرار خلق كلفة غير متوقعة لكلا الجانبين.
فترامب على بعد خطوات من الانتخابات الخاصة بمجلس الشيوخ، والشارع الامريكي يطرح اكثر من علامة استفهام عن ما يمكن ان يتحقق من حرب لم تستشعر بها المؤسسة التشريعية، ولن تضيف لامريكا الا مزيدا من المتاعب السياسية والاقتصداية، خاصة وان لها تجارب سلبية بكل من الفيتنام والعراق وافغانستان.
والى ذلك تبقى ايران على مسافة كبيرة من ما تحاول كل من امريكا واسرائيل تحقيقه في المنطقة خاصة البعد الاستراتيجي، بعد لها قراءة خاصة من القادة الايرانيين الجدد.
فالقبول بشروط ما لا تخدم المصلحة العليا للجمهورية الاسلامية يبقى لاغيا ومرفوض بل تعتبر نوعامن الاستسلام، بل تحجيم لحضورها بالمنطقة وكفاعل قوي، وهذا جانب ظل الايرانيون منذ الثورة متمسكين به لاعتبارات يؤطرها البعد الديني الى حد كبير تفرضه الابعاد الجيوستراتيجي من جهة اخرى، خاضة وان ايران تتموقع في خريطة جغرافية تمكنها من التواصل مع الدول الاسيوية والعربية والاسلامية، ناهيك عن موقعها البحري الذي يمكنها من التحكم في العصب الاقتصادي العالمي، وهذا مايفسر الصراع الدائر على مضيق هرمز وباب المندب الذي اوكلت للحوثيين احتوائه في لحظة ما وفي اشارة بسيطة من الحكام الايرانيين.
والى ذلك فمن المرجح ان يلعب في هذا الصراع الاستراتيجي مستقبلا لاعبين جدد، مما يزيد احتدام الصراع الى درجة ينذر بحرب من نوع اخر تتجاوز ليس النظام العالمي فحسب بل القوانين المؤطرة للعلاقات الدولية، والتي اصبحت اليوم تتجاوز تحت عناوين متعددة، لتجتمع في جانب منها تحت يافظة الخطر النووي والتوسع الجيوسياسي المريب.

