السويداء بين مطرقة العنف وسندان السياسة: تكليف الدروز بالأمن و تأكيد عدم إنقسام سوريا أبدا

الملاحظ نورة حكيم ( صحفية متدربة)

في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا المعاصر، أطل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على السوريين فجر الخميس، حاملاً خطاباً مفصلياً كشف فيه عن قرار استثنائي: تسليم زمام الأمن في محافظة السويداء إلى فصائل محلية ومرجعيات دينية درزية، بعد أيام دامية من العنف الطائفي الذي أودى بحياة أكثر من 350 شخصاً.

هذا الإعلان، الذي جاء وسط تصعيد غير مسبوق في الجنوب السوري، يعكس تحوّلاً واضحاً في تعاطي دمشق مع ملف السويداء المعقّد، والذي ظل لسنوات خارج الحسابات العسكرية المباشرة للنظام، لكنه اليوم يعود إلى الواجهة بقوة، وبكلفة بشرية باهظة.

شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، منذ صباح الأحد، انفجاراً أمنياً مفاجئاً إثر خلافات قديمة بين مجموعات مسلحة من أبناء المنطقة ومسلحين من البدو المجاورين. ومع تصاعد حدّة الاشتباكات، سارعت الحكومة السورية إلى إرسال قواتها لاحتواء الموقف، في مهمة وصفها الشرع بـ”الناجحة”، قبل أن تتحول المهمة الأمنية إلى أزمة إقليمية إثر تدخل إسرائيلي مباشر.

فقد كشف الشرع أن إسرائيل شنت “استهدافاً موسعاً للمنشآت المدنية والحكومية”، معتبراً أن هذه الضربات كانت تهدف إلى نسف جهود التهدئة وتوسيع رقعة الفوضى، محذراً من أن “الحرب المفتوحة مع الكيان الإسرائيلي” باتت احتمالاً مطروحاً على الطاولة.

القرار الذي اتخذه الشرع بتكليف فصائل محلية ومشايخ دروز بحفظ الأمن في السويداء، أثار تبايناً في المواقف. ففي حين رأى البعض فيه انتصاراً لحكمة التهدئة وإشراك المجتمعات المحلية في حماية نفسها، عبّر آخرون عن مخاوف من أن يكون ذلك مقدمة لفصل أمني أو إداري يُضعف المركزية ويعزز النزعات الانفصالية.

لكن الشرع دافع بشدة عن قراره، مؤكداً أن الخيار كان بين حرب شاملة تهدد حياة المدنيين، خصوصاً أبناء الطائفة الدرزية، وبين تسوية داخلية تحفظ ما تبقى من وحدة البلاد. وأضاف: “قدّمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار”، في خطاب يُقرأ على أنه محاولة لإعادة إنتاج دور الدولة كـ”حَكم” لا كـ”قوة قمع”.

ما أضفى بعداً دولياً على الأزمة هو ما أشار إليه الشرع من “تدخل فعّال للوساطة الأمريكية والعربية والتركية”، التي أسهمت في نزع فتيل الانفجار الشامل. وجاءت تلك الوساطة بالتزامن مع بيان لوزارة الداخلية السورية يُعلن التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، يتضمّن 14 بنداً، أبرزها إيقاف جميع العمليات العسكرية وتشكيل لجنة مشتركة لمراقبة التنفيذ من شيوخ دروز وممثلين عن الدولة.

لكن الهدنة ترافقت مع تهديدات إسرائيلية جديدة بتكثيف الغارات ما لم تكتمل عملية انسحاب القوات السورية من السويداء، وهو ما يزيد من هشاشة الاتفاق ويجعل من المحافظة بؤرة محتملة لانفجار جديد.

بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أسفرت أعمال العنف عن مقتل 79 مقاتلاً درزياً و55 مدنياً، إضافة إلى 189 عنصراً من القوات الحكومية و18 مسلحاً من البدو. كما أدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل 15 عنصراً حكومياً، ما يرفع الحصيلة إلى أكثر من 350 قتيلاً، في واحدة من أكثر المجازر دموية منذ سنوات.

المشهد في السويداء اليوم يُجسّد تعقيد المعادلة السورية: طائفية متأججة، تدخلات خارجية، مركز سلطة هش، ومجتمعات محلية تبحث عن حماية ذاتية. وفي ظل هذا الخليط القابل للاشتعال، تبدو خيارات دمشق محدودة، وإن كان خطاب الشرع الأخير محاولة لإعادة صياغة المعادلة على قاعدة “الواقعية السياسية” بدل الاصطدام المباشر.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل تشكّل خطوة تسليم الأمن إلى أبناء السويداء نموذجاً يمكن البناء عليه لحلول محلية في مناطق أخرى؟ أم أنها مجرّد تسوية مؤقتة تحت ضغط النار قد تنفجر مجدداً؟ الأكيد أن الجنوب السوري لن يعود كما كان، وأن تجربة السويداء ستظل اختباراً صعباً لوحدة سوريا وأمنها القومي في وجه أعاصير الداخل والخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist