الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
في تحوّل لافت يعكس ديناميات جديدة في العلاقة بين الدولة والمواطن، كشف وسيط المملكة، حسن طارق، عن تحول نوعي في طبيعة التوترات التي ترصدها مؤسسة الوسيط، منتقلة من الشكايات التقليدية المرتبطة بسوء الخدمات الإدارية إلى موجة جديدة من الاختلالات المرتبطة بتنفيذ السياسات العمومية.
هذا التغيير، الذي وصفه طارق بـ”التحول الجوهري”، تم رصده من خلال الارتفاع غير المسبوق في التظلمات المتعلقة ببرنامج “فرصة”، حيث تلقت المؤسسة ما يفوق 500 شكاية حول نفس الموضوع. بالنسبة لوسيط المملكة، لم يعد الأمر يتعلق بحالات فردية معزولة، بل نحن أمام “حالة اجتماعية” تعكس احتقانا جماعيا حول تدبير البرامج العمومية.
لم تعد العلاقة بين المواطن والإدارة تقتصر على شبابيك الاستقبال ومكاتب الخدمات، بل امتد التوتر إلى صلب السياسات الحكومية نفسها. طارق أوضح أن الضغط الجديد ناتج عن تقاطع ارتفاع الطلب الاجتماعي مع محدودية الأجوبة العمومية، وهو ما يجعل من السياسات العمومية بحد ذاتها موضوعًا للتظلم، لا مجرد تطبيقها.
اللافت في تقرير سنة 2024 أن الوزارات التي كانت تحتل الصدارة في عدد الشكايات، مثل الداخلية والتربية الوطنية والمالية، تراجعت لصالح قطاعات أخرى كـالصحة، الحماية الاجتماعية، السياحة، الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. هذا التغيير يعكس، وفق طارق، واقعًا جديدًا يتمثل في احتكاك مباشر للمواطنين بهذه القطاعات بفعل ما تشرف عليه من برامج واسعة الأثر.
ومن أبرز محاور التقرير، تجربة الوساطة في أزمة كليات الطب والصيدلة، التي وصفها طارق بأنها “نموذج يحتذى في تدبير التوترات الاجتماعية”. إذ تحولت الأزمة من مواجهة محتدمة إلى تسوية جماعية ناجحة، ساهمت مؤسسة الوسيط في صياغتها بمقاربة تشاركية، أعادت رسم دور المؤسسة في سياق التوترات الوطنية.
أرقام التقرير تسير في اتجاه إيجابي، حيث سجّلت المؤسسة قرابة 8000 تظلم وشكاية خلال سنة 2024، وهو رقم يعكس تزايد ثقة المواطنين في دور الوسيط كمؤسسة مستقلة وذات مصداقية. كما برز تطور ملحوظ في استخدام القنوات الرقمية لتقديم الشكايات، مما يعكس انفتاحًا على آليات أكثر شفافية وسرعة.
مع ذلك، أشار طارق إلى أن ممارسة الوساطة ما تزال تميل إلى الطابع الذكوري والحضري والفرداني، وغالبًا ما تُقدَّم التظلمات في المركز، أي الرباط، وهو ما يطرح إشكالية العدالة المجالية في الولوج إلى خدمات الوسيط.
فيما يخص تنفيذ التوصيات الصادرة عن المؤسسة، أكد طارق أن أربعة قطاعات تمكنت من تنفيذ أكثر من 70% من التوصيات، ويتعلق الأمر بـالجماعات الترابية، وزارة الاقتصاد والمالية، وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ووزارة الداخلية. إلا أن بطء التنفيذ لا يزال مطروحًا، حيث بلغ متوسط المدة 672 يومًا لتنفيذ التوصيات، في حين استغرقت المعالجة الفعلية حوالي 646 يومًا.
المعطيات المقدمة تعزز فرضية دخول مؤسسة الوسيط مرحلة أكثر نضجًا وتأثيرًا في هندسة العلاقة بين المواطن والدولة. فمع تجاوزها لسوء الفهم المتعلق باختصاصاتها، أصبحت المؤسسة قادرة على معالجة الملفات في عمقها، بدل الاكتفاء بدور “صندوق بريد” للشكايات.
وبينما تتعاظم التحديات المرتبطة بتنفيذ السياسات العمومية، تبرز مؤسسة الوسيط كفاعل محوري يمكنه احتواء الأزمات قبل أن تنفجر، بشرط تعميق ثقافة الوساطة، وتوسيع نطاق الوعي بحق المواطن في التظلم، وتعزيز آليات الاستجابة السريعة من طرف الإدارات المعنية.
ما ورد في تقرير وسيط المملكة لسنة 2024 لا يكشف فقط عن أرقام وإحصاءات، بل يعكس مزاجًا اجتماعيًا عامًا آخذًا في التبدل، حيث أصبحت السياسات العمومية موضع محاسبة شعبية. وهو ما يفرض إعادة التفكير في آليات تصميم وتنفيذ البرامج العمومية، في ضوء ما تلتقطه مؤسسة الوسيط من مؤشرات، قبل أن تتحول التظلمات إلى احتجاجات صاخبة في الشارع.