الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
تعيش العاصمة الرباط هذه الأيام على إيقاع مهرجان الفروسية التقليدية “التبوريدة”، الذي انطلقت فعالياته يوم الخميس، تخليداً لذكرى عيد العرش المجيد، تحت شعار معبّر: “صهيل الخيل… صدى الأصالة”. ويستمر هذا الموعد الثقافي المميز إلى غاية 27 يوليوز، بفضاء “الحزام الأخضر”، جامعاً بين متعة المشاهدة والاعتزاز بالتراث المغربي الأصيل.
ينظم هذا الحدث السنوي من طرف مجلس مقاطعة يعقوب المنصور، ويعرف مشاركة ما يزيد عن 500 فارس وفرس ضمن أكثر من 50 سربة تمثل مختلف مناطق جهة الرباط–سلا–القنيطرة، في عروض تجسد التناغم الفريد بين الإنسان والخيل، وتحيي فن “التبوريدة” الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية الجماعية للمغاربة.
في تصريح له، أكد عبد الفتاح العوني، رئيس مجلس مقاطعة يعقوب المنصور، أن هذا المهرجان أضحى محطة سنوية بارزة، تُجسد عمق الارتباط بالتراث اللامادي المغربي، مشيراً إلى أن شعار هذه الدورة يعكس العلاقة الروحية بين الفارس وجواده، ويترجم المعنى الرمزي العميق للتبوريدة بوصفها فنًّا يعبر عن الانتماء، الشجاعة، والتلاحم الجماعي.
كما وجه العوني دعوة خاصة للشباب المغربي من أجل التعرف أكثر على هذا الموروث، والمساهمة في نقله للأجيال القادمة، باعتباره أحد رموز الهوية الثقافية الوطنية.
المنافسات تقام وفق الطقوس الكلاسيكية لهذا الفن، حيث تصطف السربات بقيادة “المقدم” لتقدم التحية للجمهور، ثم تنطلق الخيول في صف منسجم نحو نقطة النهاية، في عروض جماعية دقيقة تنتهي بإطلاق جماعي للبنادق، لحظة تُظهر انسجاماً وانضباطاً كبيراً بين الفرسان وخيولهم.
من جهته، أعرب عصام شرويط، مقدم سربة “الجواد”، عن سعادته بالمشاركة، مؤكداً أن هذه الدورة تتميز بحضور وازن للسربات القادمة من مختلف مناطق الجهة، ما يُضفي على المهرجان بعداً تنافسياً واحتفالياً خاصاً. كما أبدى رغبته في أن يشهد هذا الحدث مستقبلاً انفتاحاً دولياً يعكس المكانة التراثية العالمية لهذا الفن.
لا يخفى أن التبوريدة، أو الفروسية التقليدية، حظيت باعتراف عالمي حين أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية في دجنبر 2021. ويُعد هذا الاعتراف تتويجاً للجهود الوطنية المبذولة لحماية هذا الفن، وضمان استمراريته، ليس فقط كفرجة احتفالية، بل كموروث ثقافي عريق يتقاطع فيه التاريخ والدين والهوية.
بصهيلها، تُعيد التبوريدة إلى الأذهان ملاحم الفرسان المغاربة، وتُرسخ في وجدان الأجيال رمزية الانتماء… مهرجان الرباط، أكثر من عرض فني، هو احتفاء بالذاكرة والهوية.