الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
تشهد العلاقات المغربية الفرنسية في الآونة الأخيرة تطورًا لافتًا في مجال التعاون الأمني، خصوصًا على صعيد تدبير ملف الهجرة غير النظامية، الذي يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات الأوروبية. ففي رد رسمي على سؤال برلماني، كشفت وزارة الداخلية الفرنسية عن تحقيق تقدم ملموس في التنسيق مع الرباط، تمثل في تضاعف عدد وثائق المرور القنصلية المخصصة لترحيل المهاجرين غير النظاميين من فرنسا إلى المغرب بنسبة 93 في المائة خلال شهري يناير وفبراير من السنة الجارية مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
هذا التصريح يأتي في سياق متنامٍ من الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها فرنسا على خلفية تزايد أعداد المهاجرين القادمين من دول شمال وغرب إفريقيا. النائب في الجمعية الوطنية، سيباستيان شينو، كان قد وجه سؤالاً للحكومة حول التدابير الأمنية التي تنفذها لمواجهة تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية، خاصة مع ما ورد في مذكرة صادرة عن شرطة الحدود الفرنسية والمكتب الفرنسي لمكافحة تهريب المهاجرين، تشير إلى دخول أكثر من 138 ألف مهاجر غير قانوني إلى أوروبا خلال عام 2024.
ووفق المعطيات نفسها، تُعد “الطريق الغربية”، التي تشمل إسبانيا وسبتة ومليلية وجزر الكناري، من أكثر المسارات نشاطًا، حيث شهدت الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي ارتفاعًا بنسبة 63 في المائة في عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى إسبانيا، إضافة إلى زيادة لافتة في محاولات اقتحام الأسوار الحدودية في مليلية بلغت 167 في المائة خلال شهر يوليوز وحده.
وأوضحت وزارة الداخلية الفرنسية أن مكافحة الهجرة غير القانونية تمثل أولوية استراتيجية للحكومة، إذ تسعى باريس إلى تقليص التدفقات غير النظامية وتسريع عمليات الترحيل. وفي هذا الإطار، أُطلقت خطة وطنية مطلع فبراير 2025 لمحاصرة شبكات تهريب البشر، تضمنت تدابير أمنية وقانونية وتقنية، أسفرت عن تفكيك 269 شبكة خلال سنة 2024، وتوقيف أكثر من 1300 مهرب، فضلاً عن تسجيل ارتفاع بنسبة 9 في المائة في عمليات الترحيل القسري، وزيادة بنسبة 6 في المائة في عدد المهاجرين غير النظاميين الموقوفين خلال الفترة ما بين أكتوبر 2024 وفبراير 2025.
وفي المقابل، سجّلت السلطات الفرنسية أكثر من 135 ألف إجراء قانوني ضد المهاجرين غير النظاميين خلال عام 2024، بزيادة فاقت 24 في المائة مقارنة بسنة 2023، بينما تجاوز عدد عمليات الترحيل القسري عتبة 21 ألف حالة.
دوليًا، أوضحت الوزارة أن ملف الهجرة غير النظامية بات جزءًا من السياسة الخارجية الفرنسية، مؤكدة التزامها بتسريع تنفيذ “الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء”. كما شددت على أن الحدود الفرنسية–الإيطالية تظل البوابة الأساسية لدخول المهاجرين، حيث تم توقيف أكثر من 6700 شخص غير نظامي في منطقة الألب البحرية خلال العام الماضي، إلى جانب أكثر من 1000 توقيف عند الحدود مع إسبانيا.
ومن جهة أخرى، نوّهت الوزارة إلى فعالية التعاون مع سويسرا، الذي أدى إلى خفض الضغط على الحدود المشتركة بنسبة 65 في المائة، كما أشارت إلى تفعيل شراكات مهمة مع المملكة المتحدة ضمن اتفاقيات “ساندهورست”، من خلال تعبئة 500 عنصر من الدرك على سواحل المانش ضمن خطة تمويلية تقدر بـ540 مليون يورو.
وفي خطوة تعكس توجهًا حازمًا نحو تعزيز الرقابة، أعلنت الحكومة الفرنسية تعيين ممثل خاص لتعزيز اتفاقيات إعادة قبول المهاجرين، في مسعى لتوسيع نطاق التعاون ليشمل أيضًا دول الشرق الأوسط وآسيا.
وعلى الصعيد التشريعي، تدعم وزارة الداخلية مشاريع قوانين ترمي إلى استعادة السيطرة على سياسة الهجرة، من بينها مقترحات بتمديد فترات الاحتجاز الإداري للمهاجرين المصنفين كـ”خطرين”، وتعزيز أدوار المكتب الفرنسي للهجرة والإدماج داخل مراكز الاحتجاز، بدل الاعتماد على الجمعيات المدنية.
هذا التصعيد الأمني والدبلوماسي يعكس تحولا في الرؤية الفرنسية نحو ملف الهجرة، من زاوية لم تعد تقتصر فقط على الجوانب الإنسانية والإدماج، بل باتت تتخذ طابعًا أمنيًا حازمًا، في ظل تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية داخل البلاد، وتزايد التحديات المرتبطة بالهجرة في السياق الأوروبي العام.