الملاحظ نورة حكيم (صحفية متدربة)
في مشهد يعيد تسليط الضوء على مخاطر العمل الصحفي في مناطق النزاع، أفرجت السلطات الإسرائيلية عن الصحافي المغربي محمد البقالي، بعد أيام من احتجازه أثناء أدائه لمهمة إعلامية وإنسانية على حدود قطاع غزة، حيث كان يوثق تداعيات الكارثة الإنسانية التي خلفها العدوان المستمر على القطاع.
البقالي، وهو أحد أبرز الوجوه الإعلامية المغربية، سافر ضمن وفد إنساني لتغطية المأساة التي يعيشها المدنيون في غزة، حيث انخرط في توثيق شهادات الضحايا، ونقل صورة الواقع للعالم العربي والدولي، قبل أن يتم توقيفه بشكل مفاجئ من قبل السلطات الإسرائيلية، في خطوة أثارت استنكارًا واسعًا من أوساط إعلامية وحقوقية.
عملية توقيف البقالي اعتُبرت انتهاكًا صارخًا لحرية الصحافة وخرقًا للمواثيق الدولية التي تكفل للصحافيين أداء مهامهم في مناطق النزاع دون مضايقات أو تهديدات. وقد تسببت هذه الخطوة في موجة استياء داخل الأوساط الإعلامية المغربية والعربية، حيث صدرت دعوات عاجلة للإفراج عنه وضمان سلامته الجسدية والنفسية.
من جهتها، عبّرت هيئات صحفية مغربية، وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحافة، عن “قلق بالغ إزاء سلوك الاحتلال الإسرائيلي تجاه الصحافيين”، مطالبةً بتدخل دولي يضع حداً لمثل هذه الانتهاكات المتكررة.
تجربة البقالي، الذي كان يرافق قوافل إغاثية لتوثيق معاناة السكان، تفتح من جديد ملف الاستهداف الممنهج للصحافيين في الأراضي الفلسطينية، حيث يتحول العمل الصحفي إلى مخاطرة قد تؤدي إلى السجن أو حتى إلى الاستشهاد، كما حدث مع الزميلة شيرين أبو عاقلة.
ورغم محاولات تكميم الصوت والكاميرا، فإن ما وثّقه البقالي قبل توقيفه يشكل مادة حيّة لفضح الجرائم المرتكبة، ويعكس التزام الصحافي المغربي بواجبه المهني والإنساني على حد سواء.
الإفراج عن البقالي، وإن شكل لحظة فرح واستراحة لعائلته وزملائه ومحبيه، لا يُلغي الأسئلة الكبرى التي تطرح حول حدود حرية الصحافة في مناطق النزاع، وغياب الحماية القانونية الدولية الكافية للصحافيين، خاصة أولئك القادمين من دول عربية يواجه مواطنوها قيودًا سياسية على الحركة داخل الأراضي المحتلة.
وقد عبّر البقالي، فور عودته، عن امتنانه لكل من تضامن معه وسانده، مؤكداً عزمه على مواصلة رسالته الإعلامية من أجل نقل الحقيقة، مهما كانت التحديات.
تحرر محمد البقالي هو لحظة انتصار رمزي لحرية التعبير، لكنه في الوقت ذاته تذكير قاسٍ بالثمن الباهظ الذي يدفعه الصحافيون في سبيل إيصال الحقيقة. ففي زمن تتشوش فيه الأصوات، تبقى الكلمة الصادقة والموقف المهني هما الجسر الوحيد بين الشعوب المكلومة والعالم الذي يراقب بصمت.