الملاحظ- نورة حكيم (صحفية متدربة)
منذ أن ألقى جلالة الملك محمد السادس خطابه التاريخي في أجدير سنة 2001، دخلت الأمازيغية مرحلة جديدة في مسارها، حيث لم تعد فقط مكونًا ثقافيًا مهمشًا أو ذاكرة شعبية محفوظة في الوجدان، بل تحوّلت إلى عنصر أساسي في الهوية المغربية الموحدة، باعتبارها لغة وثقافة وموروثًا مشتركًا لجميع المغاربة.
ومع تخليد الذكرى السادسة والعشرين لجلوس الملك على العرش، استحضر عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أحمد بوكوس، في لقاء رسمي، أهم المحطات التي رسّخت هذا التحوّل، مشيرًا إلى أن العناية الملكية بالأمازيغية لم تكن ظرفية، بل استراتيجية مستمرة بدأت بخطاب أجدير، ثم إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وصولًا إلى دسترة الأمازيغية في الفصل الخامس من دستور 2011، وإصدار القانون التنظيمي 26.16 سنة 2019، الذي حدد كيفية إدماج اللغة الأمازيغية في التعليم والحياة العامة.
لكن السؤال المطروح اليوم، ونحن على بُعد أشهر قليلة من إغلاق المرحلة الأولى من تفعيل هذا القانون (2019-2025)، هو: أين وصلنا في هذا الورش الوطني؟ هل تحقق ما وعد به النص؟ وهل فعّل ما تضمنته مواده؟
الواقع أن هناك تقدمًا ملحوظًا في عدة مجالات. في التعليم، تم إدراج الأمازيغية في حوالي 40% من المدارس الابتدائية، ويستفيد منها حاليًا مئات الآلاف من التلاميذ، مع خطة لبلوغ أربعة ملايين تلميذ سنة 2030. كما تم تعيين مئات المدرسين المتخصصين، وتطوير مناهج وكتب مدرسية بحرف تيفيناغ، وإطلاق تكوينات جديدة في المعاهد العليا.
أما على مستوى الخدمات العمومية، فقد بدأت الدولة في توظيف أعوان وإداريين ناطقين بالأمازيغية في مؤسسات متعددة، خاصة في المناطق التي تعرف كثافة أمازيغية، إلى جانب اعتماد اللغة الأمازيغية في بعض المواقع الرسمية، ولافتات المرافق العمومية، وتقديم ترجمات فورية في الأنشطة الحكومية.
ورغم هذه المكتسبات، يقرّ المختصون بوجود فجوات واضحة تعيق تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بالشكل المطلوب. فعدد المدرسين المتخصصين ما يزال غير كافٍ، والمواد الدراسية المقررة لا تتناسب دائمًا مع الواقع اللغوي للمتعلمين، فيما تظل وتيرة تعميم اللغة الأمازيغية في الإعلام والإدارة بطيئة، وغير متوازنة بين الجهات. كما أن التفاعل بالأمازيغية في القضاء، وفي البرلمان، وفي الخدمات الاجتماعية، لا يزال محدودًا.
وفي هذا السياق، دعا أحمد بوكوس إلى ضرورة تقييم شامل لما تحقق منذ 2019، والوقوف عند مكامن القوة والضعف، بهدف تصحيح المسار وضمان الالتزام الفعلي بما ينص عليه القانون. وشدد على أن ترسيم الأمازيغية ليس هدفًا رمزيًا، بل خطوة في طريق تحقيق العدالة اللغوية والمواطنة الثقافية، في مغرب يسعى إلى بناء هوية جامعة، قائمة على التنوع والاعتراف المتبادل.
الاحتفاء الرسمي بالذكرى لا يعني فقط استذكار المحطات، بل يجب أن يكون لحظة تقييم وتفكير واستشراف. فالأمازيغية اليوم، بعد 14 سنة من الدسترة، و6 سنوات من صدور القانون التنظيمي، تحتاج إلى جرعة جديدة من الإرادة السياسية، والدعم المالي، والتتبع الإداري، لضمان تنفيذ ما تبقى من مراحل، وتثبيت حضورها الطبيعي في التعليم، والإعلام، والقضاء، والإدارة، والفن، والثقافة.
اللغة الأمازيغية ليست مجرد تراث بل هي مشروع مجتمعي حي، يترجم في السياسات، ويتجسد في الممارسة اليومية، ويُحتفى به من طرف المواطن قبل المؤسسات.