المغرب يبدأ اختبارات إنتاج الغاز البيوجيني في جرسيف: رمزية استراتيجية أم مرحـلة اختبار جدوى؟

الملاحظ- نورة حكيم (صحفية متدربة)

في خطوة لافتة على درب تعزيز سيادته الطاقية، أعلن المغرب، عبر شركة “Predator Oil & Gas” البريطانية، عن انطلاق اختبارات إنتاج الغاز الطبيعي بمنطقة جرسيف خلال الأسبوع الأخير من يوليوز 2025. هذه المرحلة تهم بئراً يحمل اسم MOU-3، ويُعتقد أنه يحتوي على غاز طبيعي بيوجيني، ناتج عن التحلل البيولوجي للمواد العضوية، ويُعد من أنواع الغاز الصديقة للبيئة والأقل تكلفة من حيث المعالجة.

ورغم ما يحمله هذا الإعلان من أبعاد رمزية واستراتيجية على مستوى السياسة الطاقية الوطنية، يرى عدد من المتخصصين أن ما يحدث في جرسيف لا يتجاوز من حيث الجوهر مرحلة “اختبار الجدوى”، وهي محطة ضرورية قبل اتخاذ أي قرار بإطلاق إنتاج تجاري فعلي. إذ أن مشاريع الغاز تمر بمسار طويل ومعقد، ينطلق من الاستكشاف نحو الاختبار، ثم التقييم، وصولاً إلى الإنتاج الميداني، وهي مراحل تحكمها معايير اقتصادية وتقنية دقيقة تتعلق بحجم الاحتياطي وجودته واستدامة تدفقه، وكذا تكلفة الإنتاج مقارنة بالأسعار العالمية.

الموقع الجغرافي للبئر MOU-3، الذي يقع على مقربة من خط أنبوب الغاز المغاربي–الأوروبي، يُعد من العوامل المشجعة، حيث من شأنه خفض كلفة النقل والبنية التحتية، وبالتالي رفع صافي القيمة الاقتصادية للمشروع. غير أن هذا الامتياز اللوجستي لا يكفي بمفرده لضمان الجدوى، ما لم تؤكد البيانات النهائية أن كميات الغاز القابلة للاستخراج كافية لتغطية التكاليف وتحقيق هامش ربح في ظل تقلبات السوق الطاقي الدولية.

وفي السياق ذاته، يُشير خبراء إلى أن الشركات الأجنبية العاملة في مجال التنقيب، لا سيما تلك المدرجة في البورصات العالمية، تميل إلى استثمار هذا النوع من الإعلانات التقنية في إطار حملات ترويجية تستهدف جذب المستثمرين ورفع القيمة السوقية لأسهمها. وهو ما يفرض على الفاعلين الوطنيين التعامل بحذر مع هذه المعطيات، والاحتكام إلى التحليل الكمي والاقتصادي بدل الاعتماد على التصريحات أو التوقعات غير المؤكدة.

من جانب آخر، تفتح هذه الخطوة الباب أمام إمكانيات جديدة لتقليص العجز الطاقي الوطني، إذ لا يزال المغرب يستورد أكثر من 90 في المئة من احتياجاته من الغاز الطبيعي، بينما يبلغ الاستهلاك المحلي ما يزيد عن مليار متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل قرابة مليون طن معادل نفط. ورغم أن الكميات المحتملة من الغاز البيوجيني في جرسيف، والتي تُقدّر في أفضل الحالات بحوالي 1.7 مليار متر مكعب، تظل محدودة بالمقارنة مع حجم الطلب الوطني، فإنها تبقى ذات قيمة مضافة إذا تم تطوير المشروع على أسس مستدامة وفعالة.

أما بالنسبة إلى النموذج الاقتصادي المقترح من طرف الشركة البريطانية، فيرتكز على استخدام الغاز المضغوط (CNG) لتلبية احتياجات الصناعات المحلية، مما يختصر الزمن اللازم للتسويق مقارنة بخيارات التصدير أو تسييل الغاز، ويُمكن من إطلاق إنتاج مبكر على نطاق محدود. ومع ذلك، تظل التحديات قائمة فيما يخص ضمان التدفقات الكافية والجدوى التجارية المستدامة.

وفي انتظار صدور نتائج الاختبارات الميدانية والبيانات النهائية، يبقى مشروع جرسيف في هذه المرحلة خياراً استثمارياً مرتفع الإمكانات لكن محفوفاً بالمخاطر. نجاحه يتوقف على عوامل عديدة تتجاوز الجوانب التقنية، لتشمل المردودية الاقتصادية والسياسات الطاقية التي ستتبناها الدولة في مجال الشراكات مع الفاعلين الأجانب، ومدى قدرتها على استثمار هذه الموارد في تقوية استقلالها الطاقي والحد من تقلبات السوق الدولية.

بهذا المعنى، فإن اختبارات الغاز في جرسيف ليست سوى أولى الخطوات في مسار معقّد، يتطلب كثيراً من الدقة، والتحليل، والانتظار… قبل الحديث عن تحوّل استراتيجي في ميزان الطاقة المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist