التشبيب بالكلام… والإقصاء بالفعل

بقلم كوثر الرايس   

من السهل جدا أن نتحدث عن التشبيب من فوق المنصات، وأن نرفع شعارات “ضخ دماء جديدة” و“تمكين الشباب” في الخطب الحزبية، لكن الصعب — بل المقلق — هو أن نمارس عكس ذلك تماما عند لحظة القرار، وهذا بالضبط ما يطرحه خطاب فاطمة الزهراء المنصوري داخل حزب الأصالة والمعاصرة، خاصة في دورة المجلس الوطني 31: خطاب أنيق، منمّق، لكنه يصطدم بواقع تنظيمي يناقضه في العمق.

كيف يمكن لقيادة حزبية أن تنادي بالتشبيب، وفي الوقت نفسه تُعيد تزكية نفس الوجوه الانتخابية التي استهلكها الزمن السياسي؟ وجوه راكمت الولايات والمناصب دون أثر تشريعي أو رقابي يُذكر، ودون حضور حقيقي في الدفاع عن قضايا المواطنين. وجوه “أكل الدهر عليها وشرب”، لكنها ما تزال تحظى بثقة القيادة، بينما يُطلب من الشباب الصبر وانتظار “فرص قادمة” لا تأتي أبدًا.

إن خطاب التشبيب، حين لا يُترجم إلى قرارات شجاعة في التزكيات، يتحول من مشروع إصلاحي إلى مجرد أداة تواصلية لتجميل صورة الحزب، ومجاراة الخطاب الرسمي للدولة حول تجديد النخب. فالشباب يُستدعى في القاعات، ويُصفَّق له في المؤتمرات، لكنه يُقصى بصمت عند تقاسم المواقع. وهنا لا نتحدث عن سوء تقدير، بل عن خيار سياسي واعٍ يقوم على الحفاظ على التوازنات القديمة، ولو على حساب المصداقية.

الأخطر من ذلك أن هذا التناقض يفضح منطقا متجذرا داخل الأحزاب: منطق يعتبر التشبيب خطرا لا فرصة، ويراكم الخوف من التغيير بدل الاستثمار فيه. فالشباب، في نظر كثير من القيادات، ليسوا رافعة للتجديد، بل تهديدا لمواقع قائمة، لذلك يتم احتواؤهم خطابيا وإقصاؤهم عمليا.

خطاب فاطمة الزهراء المنصوري، رغم حديثه عن القيادة الجماعية والعمل المؤسساتي، لا يخرج عن هذا الإطار. فهو خطاب يطلب الانضباط أكثر مما يفتح النقاش، ويدعو إلى التجديد دون أن يلامس جوهر السلطة داخل الحزب: من يقرر؟ ومن يزكي؟ وعلى أي أساس؟ لأن لحظة الحقيقة في أي حزب ليست المنصة، بل لائحة الترشيحات.

إن استمرار تزكية نفس الأسماء، تحت ذريعة “الخبرة” أو “الاستمرارية”، لم يعد مقنعا في مغرب يتغير بسرعة، وفي مجتمع شاب لم يعد يقبل أن يكون مجرد خزان انتخابي. فالديمقراطية لا تقاس بعدد المرات التي نذكر فيها كلمة “الشباب”، بل بعدد الفرص التي نمنحها لهم فعليا.

لقد آن الأوان لقولها بوضوح:
لا معنى لخطاب التشبيب دون قطيعة مع منطق إعادة إنتاج النخب.ولا مصداقية لقيادة تتحدث عن المستقبل، وهي رهينة الماضي.
إن استمرار إعادة إنتاج نفس النخب القديمة تحت شعار “الخبرة” أو “الاستمرارية” ليس فقط فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا، بل خيانة للشباب وللانتقال الديمقراطي. إنه إعلان صريح بأن الأحزاب لم تتعلم شيئًا، وأنها لا تزال أسيرة الولاءات والمصالح الضيقة، وليست أداة لخدمة الوطن والمواطن.

القيادة تقول: “العمل الجماعي، القيادة المشتركة”، لكن الحقيقة تقول: الاحتكار، التحكم، والمحاصصة. خطاب لإدارة الأزمة، لا لتحويل الحزب. كلام عن المستقبل، مع استمرار نفس الماضي المستهلك. وهذا ما يجعل أي حديث عن التشبيب مجرد كذبة سياسية تُستهلك في المؤتمرات، وتُنسى عند التزكيات.

اذن فان السياسة ليست بلاغة، بل ممارسة ومن لا يجرؤ على التغيير من الداخل، لا يملك الحق في التبشير به من فوق المنصات.
الناخبون والشباب لن ينتظروا أكثر. من يصر على إعادة إنتاج الماضي، سيكتشف قريبا أن الزمن تجاوزه… وأن التاريخ لا يرحم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist