الملاحظ – كوثر الرايس
يأتي تنظيم الدورة الثانية من منتدى التشغيل والريادة بصيغة المؤنث بمدينة فاس خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 16 فبراير في سياق يتسم بتزايد الاهتمام بقضايا التمكين الاقتصادي للنساء، باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على أهمية هذا المنتدى كفضاء للتفكير الجماعي وتنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين، مع إبراز رهاناته ودلالاته فيما يتعلق بتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء على المستوى الجهوي.
1_سياق عام وإطار مرجعي.
يشكل ضعف ولوج النساء إلى سوق الشغل واستمرار الفوارق النوعية في فرص التشغيل وريادة الأعمال أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات التنموية بالمغرب، خاصة على المستوى الجهوي. ورغم تعدد البرامج والمبادرات الرامية إلى دعم إدماج النساء اقتصاديا، إلا أن أثرها يظل متفاوتا، في ظل استمرار معيقات بنيوية ذات طابع اجتماعي، واقتصادي، ومؤسساتي. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المبادرات التي تعتمد المقاربة التشاركية وتعمل على خلق تقاطعات بين السياسات العمومية ومبادرات المجتمع المدني.
2_المنتدى كآلية للتشبيك وتبادل الخبرات.
يندرج منتدى التشغيل والريادة النسائية، الذي تنظمه جمعية مبادرات من أجل حماية حقوق النساء (IPDF) بشراكة مع المديرية الجهوية للتكوين المهني فاس–مكناس، ضمن هذا التوجه التشاركي، حيث يسعى إلى إرساء فضاء للحوار وتبادل الرؤى وتقاسم التجارب بين مختلف المتدخلين في مجال التشغيل والريادة. ويتميز المنتدى بانفتاحه على فاعلين متعددي الانتماءات، من قطاعات حكومية، وجماعات ترابية، ومؤسسات عمومية، ومقاولات خاصة، وهيئات دولية، إلى جانب جمعيات المجتمع المدني، ما يعزز إمكانيات التنسيق والتكامل بين مختلف المبادرات القائمة.
3_رهانات التمكين الاقتصادي والإدماج المستدام.
لا يقتصر الرهان الأساسي لهذا المنتدى على مناقشة قضايا التشغيل في بعدها التقني أو الظرفي، بل يتجاوز ذلك إلى التفكير في شروط تحقيق إدماج اقتصادي مستدام ومنصف للنساء. ويقتضي هذا الإدماج إعادة النظر في منظومة التكوين المهني، وآليات دعم المقاولة النسائية، ومدى ملاءمة السياسات العمومية لحاجيات النساء، خاصة في السياقات الحضرية والهامشية. كما يتيح المنتدى فرصة لتقييم البرامج المعتمدة، ورصد مواطن القوة والقصور، واقتراح صيغ بديلة أكثر نجاعة واستدامة.
4_الدلالة المؤسساتية والبعد الجهوي.
من المرتقب أن تفتتح أشغال المنتدى بجلسة رسمية تحتضنها جماعة فاس، بحضور ممثلين عن مؤسسات حكومية ومنتخبة وفاعلين اقتصاديين ومدنيين على المستويين الوطني والدولي. ويكتسي هذا البعد المؤسساتي أهمية خاصة، إذ يعكس إدماج قضايا التشغيل والريادة النسائية ضمن أولويات الفعل العمومي الجهوي، ويؤشر على إمكانية تحويل خلاصات المنتدى إلى توصيات عملية قابلة للتنزيل على مستوى السياسات المحلية.
5_المنتدى بين المبادرة المدنية والسياسات العمومية.
يبرز هذا المنتدى الدور المتنامي الذي باتت تلعبه الجمعيات النسائية في تأطير النقاش العمومي حول قضايا التمكين الاقتصادي، ليس فقط من زاوية الدفاع عن الحقوق، بل أيضا من منظور اقتراحي يهدف إلى المساهمة في بلورة سياسات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي. كما يؤكد أهمية الشراكة بين الفاعلين المدنيين والمؤسسات العمومية في الانتقال من منطق البرامج المعزولة إلى منطق الاستراتيجيات المندمجة.
وفي الأخير يمكن اعتبار منتدى التشغيل والريادة النسائية بمدينة فاس نموذجا لمبادرة تسعى إلى تجاوز المقاربات التقليدية في معالجة إشكالات التشغيل النسائي، من خلال اعتماد الحوار والتشبيك والتفكير المشترك. كما يبرز أن التمكين الاقتصادي للنساء لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إصلاحات هيكلية تمس سوق الشغل، والتكوين، والسياسات الاجتماعية، في أفق إرساء تنمية أكثر شمولا وإنصافا على المستوى الجهوي والوطني.

