بقلم: ذ محمد الرداف
في مشهد إقليمي متسارع، لم يعد خافيا أن وتيرة المشاريع الاستراتيجية في شمال أفريقيا والساحل تشهد تصاعدا لافتا، تقوده بالأساس مبادرات كبرى أطلقتها المغرب، لتجد صدى—أو ردود فعل موازية—من الجزائر. وبين من يصف الأمر بـ“التكامل الإقليمي”، ومن يراه “نسخا متكررا”، يظل الواقع أكثر تعقيدا من مجرد أحكام انطباعية.
المبادرة تقود… ورد الفعل يواكب؟
أطلقت الرباط خلال السنوات الأخيرة مشاريع ذات بعد قاري، أبرزها مبادرة الوصول إلى المحيط الأطلسي، التي تستهدف ربط دول الساحل بالموانئ الأطلسية، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي حظي بدعم دولي وإقليمي واسع.
في المقابل، أعادت الجزائر إحياء مشاريع مماثلة، من بينها أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا عبر النيجر بالمتوسط، فضلا عن الترويج لموانئها، وعلى رأسها ميناء جن جن، كبوابة بديلة لدول الساحل نحو الأسواق الأوروبية.
قراءة هذا المشهد لا يمكن اختزالها في “تقليد” أو “غيرة”، بقدر ما تعكس منطق التنافس الجيو-اقتصادي الطبيعي بين دولتين محوريتين في المنطقة. فكل من المغرب والجزائر يسعى لتعزيز موقعه كمركز عبور يربط أفريقيا بأوروبا، مستفيدا من موقعه الجغرافي وإمكاناته اللوجستية.
غير أن الفارق يكمن في سرعة التنفيذ ومستوى الشراكات الدولية. فبينما تراهن الرباط على مقاربة متعددة الأبعاد تشمل البنية التحتية والدبلوماسية الاقتصادية، تحاول الجزائر إعادة تموقعها عبر تفعيل مشاريع ظلت لسنوات حبيسة الرفوف.
في قلب هذا التنافس، تقف دول منطقة الساحل، التي تبحث عن منافذ بحرية آمنة ومستقرة لتنمية تجارتها. غير أن التحدي لا يقتصر على العرض اللوجستي، بل يمتد إلى الاستقرار السياسي، جودة البنية التحتية، وسلاسة العلاقات الدبلوماسية.
المنطقة اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتحول هذا التنافس إلى رافعة للتنمية الإقليمية، عبر خلق بدائل متعددة تخدم دول الساحل، أو أن يبقى رهين “سباق النفوذ” الذي قد يبدد فرص التكامل الحقيقي.
وفي كل الأحوال، يبقى المؤكد أن من يملك الرؤية الواضحة والقدرة على التنفيذ، هو من سيكسب رهان القيادة في أفريقيا الجديدة.

