لم تكن زيارة رئيس الحكومة الفرنسية إلى المغرب، على رأس وفد رسمي رفيع المستوى، مجرد محطة بروتوكولية عادية، بل جاءت في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث تعيد القوى الكبرى ترتيب أولوياتها وشراكاتها في غرب البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء.
فالرباط وباريس، اللتان جمعتهما لعقود علاقات استراتيجية متينة، عاشتا خلال السنوات الأخيرة على وقع فتور سياسي غير مسبوق، غذته تباينات في الرؤى حول عدد من الملفات، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، وسياسات التأشيرات، والتنافس الجيوسياسي المتنامي في القارة الإفريقية.
غير أن التحولات الدولية، وتنامي التحديات الأمنية والاقتصادية، دفعت البلدين إلى إعادة قراءة مصالحهما المشتركة بعيداً عن حسابات الماضي. وأصبح من الواضح أن فرنسا أدركت أن المغرب لم يعد شريكاً تقليدياً فحسب، بل قوة إقليمية صاعدة تمتلك رؤية مستقلة، وتفرض نفسها رقماً أساسياً في معادلات الأمن والطاقة والاستثمار والهجرة.
وفي المقابل، واصل المغرب تنويع شراكاته الدولية، منفتحاً على الولايات المتحدة وإسبانيا ودول الخليج والصين وإفريقيا، بما جعله يتفاوض من موقع أكثر قوة وثقة، دون الارتهان لأي محور دولي.
وتكتسي الزيارة الحالية أهمية خاصة، لأنها تأتي بعد مؤشرات واضحة على تحسن العلاقات الثنائية، أبرزها الموقف الفرنسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً جاداً وذا مصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية، وهو تطور أعاد الدفء إلى العلاقات وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي.
لكن، ورغم هذا التقارب، فإن نجاح هذه الصفحة الجديدة لن يقاس بحفاوة الاستقبال أو بالبيانات المشتركة، بل بمدى قدرة الطرفين على تحويل النوايا السياسية إلى مشاريع ملموسة، تشمل الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، والتعاون الصناعي، والأمن، والتعليم، والطاقات المتجددة.
فالرباط اليوم تنتظر من باريس شراكة قائمة على الاحترام المتبادل وتكافؤ المصالح، بعيداً عن أي منطق وصاية أو إرث تاريخي لم يعد ينسجم مع التحولات التي تعرفها المملكة ومكانتها الدولية.
وفي المقابل، تدرك فرنسا أن الحفاظ على موقعها داخل المغرب يقتضي مواكبة الدينامية الاقتصادية والسياسية التي تشهدها المملكة، خاصة في أفق احتضان كأس العالم 2030، وما يرافقه من أوراش استراتيجية كبرى.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تنجح زيارة رئيس الحكومة الفرنسية في ترسيخ مصالحة استراتيجية دائمة بين البلدين، أم أنها مجرد هدنة دبلوماسية تفرضها حسابات المرحلة؟
الجواب لن تصنعه التصريحات الرسمية وحدها، بل ستحدده القرارات العملية التي ستترجم على أرض الواقع. ففي عالم تحكمه المصالح، لا مكان للعلاقات الثابتة، بل للشراكات القادرة على التجدد ومواكبة التحولات. والمغرب، اليوم، يتعامل مع شركائه من موقع الندية، واضعاً مصالحه الوطنية فوق كل اعتبار، وهو ما يجعل مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية مرهوناً بقدرة الطرفين على بناء ثقة جديدة، قوامها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

