ليست الجديدة مدينةً فقدت بريقها بفعل تقادم السنوات، بل مدينة أرهقتها اختلالات التدبير، واستنزفتها الحسابات الضيقة، حتى تحوّل جزء كبير من رصيدها التاريخي والإنساني إلى مجرد ذكريات يتداولها أبناؤها بحسرة.
كانت الجديدة، لعقود، واحدة من أكثر المدن المغربية حيوية. مدينة تجمع بين البحر والتاريخ والاقتصاد والثقافة والرياضة، وتشكّل بوابةً لدكالة ومقصداً للزوار من داخل المغرب وخارجه. غير أن المتأمل في واقعها اليوم يلمس بوضوح أن المدينة فقدت الكثير من وهجها، ليس لأن الزمن قاسٍ على المدن، بل لأن السياسات العمومية والتدبير المحلي لم يواكبا طموحاتها وإمكاناتها.
جيل كامل ما زال يستحضر أسماء شكلت ذاكرة المدينة: سينما الريف، والملكي، ومرحبا، وديفور، وسيدي الضاوي، و”المون”، وسيدي بوزيد في زمنه الذهبي، إلى جانب أحياء عريقة مثل درب غلف، ودرب بن إدريس، ولالة زهرة، وبوشريط، والملاح. لم تكن مجرد فضاءات أو أحياء، بل كانت مراكز نابضة بالحياة، تصنع العلاقات الإنسانية وتكرس روح الانتماء.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة. فقد تراجعت الفضاءات الثقافية، وتآكلت الذاكرة العمرانية، وتراجعت جودة المرافق، بينما يشعر كثير من أبناء المدينة بأن الجديدة أصبحت تفقد جزءاً من شخصيتها عاماً بعد آخر.
المفارقة المؤلمة أن عددا من الشخصيات التي صنعت أسماءها انطلاقاً من الجديدة، سواء في السياسة أو الرياضة أو الإدارة أو الاقتصاد، لم تستثمر ما يكفي من نفوذها وخبرتها للدفاع عن قضايا المدينة. فبينما كان المنتظر أن تكون الجديدة أولوية في أجنداتهم، تحولت في نظر الكثيرين إلى محطة عبور نحو مواقع أكثر نفوذاً، دون أن ينعكس ذلك على واقع المدينة وتنميتها.
وفي المقابل، ظل المواطن الجديدي البسيط يحتفظ بوفائه للمكان. ولعل مقهى “ولد أفيخرة” تجسد هذا الوفاء، إذ أصبحت فضاءً يستعيد فيه أبناء الجديدة ذاكرتهم الجماعية، يتبادلون الحكايات عن مدينة كانت تنبض بالحياة، ويتحسرون على زمن كان فيه الانتماء قيمةً لا شعاراً، وكانت خدمة المدينة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة لتحقيق المكاسب.
إن أزمة الجديدة ليست أزمة موارد فقط، بل هي أيضاً أزمة رؤية وإرادة وحكامة. فالمدينة تمتلك مؤهلات سياحية واقتصادية وثقافية تجعلها قادرة على استعادة مكانتها،مدينة يكلف بشانها المحلي غرباء عليها لا غيرة لهم عليهافي وقت تحتاج فيه مازغان إلى نخب تؤمن بأن التنمية مسؤولية، وأن خدمة المدينة ليست موسمية أو مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.
لقد علمتنا تجارب مدن كثيرة أن النهضة تبدأ عندما يصبح الانتماء مشروعاً عملياً، لا مجرد خطابات. والجديدة ليست أقل حظاً من غيرها، لكنها تحتاج إلى من يضع مصلحتها فوق كل اعتبار، ويعيد الاعتبار لذاكرتها، ويحافظ على هويتها، ويمنح شبابها أملا في مستقبل يليق بتاريخها.
تبقى الجديدة أكبر من كل الأشخاص، وأبقى من كل المناصب. وسيظل التاريخ يسجل أن المدن لا تسقط عندما تشيخ، بل عندما يتخلى عنها أبناؤها، ويغلب الولاء للمصلحة على الوفاء للمكان. أما الجديدة، فستظل تنتظر من يعيد إليها ما تستحقه من اهتمام، حتى تستعيد مكانتها كواحدة من أجمل حواضر المغرب وعاصمة حقيقية لدكالة.

