لم يكن الاجتماع الذي احتضنته العاصمة المغربية الرباط مجرد لقاء اعتيادي لمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، بل شكل محطة مفصلية أنهت حالة الجدل التي رافقت مشروع “فيفا فوروارد إنتربرايز”، وأعادت ترتيب الأولويات داخل أكبر مؤسسة كروية في العالم.
ففي خضم الانتقادات التي وُجهت للمشروع الاستثماري، وما أثاره من تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار ومستقبل برامج الاستثمار داخل “فيفا”، اختارت القيادة العليا للاتحاد الدولي نهجًا مختلفًا؛ إذ لم تتمسك بالمشروع، بل سحبته رسميًا، في خطوة اعتبرها كثيرون دليلًا على استعداد المؤسسة لتصحيح مسارها عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
غير أن الرسالة الأبرز التي خرج بها اجتماع الرباط تمثلت في تجديد الثقة الكاملة برئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو، بحضور الأمين العام ماتياس غرافستروم وأعضاء مجلس الإدارة، وهو ما يؤكد أن الجدل الذي أحاط بالمشروع لم يتحول إلى أزمة قيادة، بل بقي في حدود نقاش حول آليات التدبير والحكامة.
وتبرز أهمية هذا الموقف في توقيته، إذ يأتي بينما تستعد “فيفا” لمواصلة تنفيذ مشاريع تطوير كرة القدم في مختلف القارات، خصوصًا مع اتساع برامج الدعم الموجهة للاتحادات الوطنية، وهو ما يجعل الحفاظ على وحدة المؤسسة واستقرارها عنصرًا أساسيًا لإنجاح هذه الأوراش.
كما حمل اجتماع الرباط رسالة أخرى لا تقل أهمية، مفادها أن الشفافية أصبحت شرطًا لا غنى عنه في إدارة الملفات المالية والاستثمارية داخل المنظمات الرياضية الدولية. فالاعتراف بوجود ملاحظات، وسحب المشروع، ثم تجديد الثقة في القيادة، يعكس محاولة لتحقيق توازن بين حماية استقرار المؤسسة والاستجابة لمطالب الإصلاح.
وفي هذا السياق، يبرز احتضان المغرب لهذا الاجتماع رفيع المستوى باعتباره تأكيدًا جديدًا على المكانة التي باتت تحظى بها المملكة داخل منظومة كرة القدم العالمية، سواء من خلال حضورها المتزايد في مراكز القرار الرياضي، أو عبر استعداداتها لاستضافة كبرى التظاهرات الدولية.
وفي المحصلة، يبدو أن “فيفا” اختارت أن تطوي صفحة الخلاف بسرعة، وأن تحول الأزمة إلى فرصة لمراجعة أساليب العمل وتعزيز الحكامة. أما جياني إنفانتينو، فقد خرج من اجتماع الرباط وهو يحمل تفويضًا سياسيا جديدا، ورسالة واضحة مفادها أن قيادة الاتحاد الدولي ما تزال تحظى بدعم أغلبية مكونات أسرة كرة القدم العالمية، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن المستقبل يفرض مزيدا من الشفافية والانفتاح في تدبير الملفات الاستراتيجية.

