لم يكن تعيين الإطار المغربي بادو الزاكي مدربا للمنتخب الأردني لكرة القدم مجرد تغيير تقني عابر، بل يحمل في طياته رهانات كبيرة، خصوصاً أن الزاكي يخلف مواطنه جمال السلامي، الذي قاد الأردن إلى أول مشاركة له في نهائيات كأس العالم 2026. وقد وقّع الزاكي عقداً لمدة عام، استعداداً بالأساس للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها كأس آسيا 2027.
اللافت أن الزاكي وجد نفسه، منذ مؤتمره الصحفي الأول، أمام أسئلة لا تتعلق فقط بمشروعه التكتيكي، وإنما بمدى الثقة في المدرسة التدريبية المغربية. فقد وجه صحفي أردني سؤالاً مباشراً حول تراجع الثقة في المدربين المغاربة بعد نتائج المنتخب في مونديال 2026، وهو ما دفع الزاكي إلى الرد بقوة، مستحضراً صعوبة المجموعة والمنافسين الذين واجههم المنتخب الأردني.
وهنا يبدأ التحدي الحقيقي.
فالزاكي لا يدخل غرفة ملابس «النشامى» من الصفر؛ إنه يأتي بعد تجربة مغربية ناجحة في الأردن، بدأت مع الحسين عموتة الذي قاد المنتخب إلى نهائي كأس آسيا، ثم جمال السلامي الذي نجح في قيادة الأردن إلى كأس العالم لأول مرة في تاريخه. ولذلك فإن أي مدرب مغربي جديد سيجد نفسه، شاء أم أبى، مطالباً بمقارنة نتائجه بنتائج سابقيه.
لكن هل يمثل بعض الخطاب الإعلامي الأردني «ممانعة» حقيقية أمام الزاكي؟
الأمر يحتاج إلى شيء من التوازن. فمن حق الصحافة الأردنية أن تسائل المدرب الجديد وأن تضعه أمام مسؤولياته، خصوصاً بعد تجربة مونديالية لم تحقق كل الطموحات. لكن تحويل النقاش من كفاءة المدرب ومشروعه إلى جنسيته ومدرسته التدريبية قد يكون مدخلاً غير صحي، لأن الملعب وحده هو القادر في النهاية على إصدار الحكم.
وبادو الزاكي ليس اسماً مجهولاً في كرة القدم العربية والإفريقية. فقد قاد المنتخب المغربي إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2004، كما راكم تجربة طويلة مع الأندية والمنتخبات. واليوم يجد نفسه أمام فرصة جديدة لإثبات أن المدرب المغربي قادر على النجاح خارج الحدود، بعدما ترك عموتة والسلامي بصمتهما في الكرة الأردنية.
الرهان إذن ليس على الزاكي وحده، بل على صورة المدرب المغربي في الأردن.
وإذا كان بعض الصحفيين قد اختاروا وضعه مبكراً تحت المجهر، فإن أفضل إجابة لن تكون في المؤتمرات الصحفية، ولا في سجالات التصريحات، وإنما في طريقة بناء المنتخب، ونتائجه، وشخصيته داخل الملعب.
الزاكي معروف بقوة الشخصية، وهي صفة قد يحتاجها كثيرا في هذه المرحلة. لكنه مطالب أيضاً بالذكاء في إدارة العلاقة مع الإعلام والجمهور والاتحاد، لأن النجاح في تدريب منتخب وطني لا تصنعه الخطط التكتيكية وحدها، بل تصنعه كذلك القدرة على بناء الثقة وتوحيد المحيط الكروي حول المشروع.
أما الحديث عن «حرب» من الصحفيين الأردنيين ضد الأطر المغربية، فينبغي ألا يتحول إلى حقيقة مسلّم بها دون أدلة كافية. المؤكد فقط أن الزاكي واجه بالفعل سؤالاً إعلامياً مشككاً في المدرسة المغربية، ورد عليه بلهجة قوية، وهو ما جعل بداية تجربته تحمل منذ الآن بعداً إعلامياً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
في النهاية، سيبقى الملعب هو المحكمة.
فإذا نجح بادو الزاكي في قيادة «النشامى» إلى المنافسة على لقب كأس آسيا 2027، أو حقق نتائج تفوق التوقعات، فسوف تسقط كل علامات الاستفهام من تلقاء نفسها. أما إذا تعثرت النتائج، فستتحول الأسئلة الإعلامية الحالية إلى ضغط متواصل.
وبين ممانعة الميكروفون وصرامة الملعب، يبدأ الزاكي رحلة جديدة في الأردن، وفيها رهان شخصي لإعادة كتابة صورته التدريبية، ورهان مغربي أكبر لإثبات أن نجاح عموتة والسلامي لم يكن صدفة، وأن المدرسة المغربية ما زالت تملك الكثير لتقدمه للكرة العربية.
بادو الزاكي أمام امتحان صعب… لكن الأهم أن الإجابة ستكون بالنتائج لا بالكلمات.

