جماعات خارج المراقبة لسنوات.. وزارة الداخلية تفتح ملفات “التعمير والصفقات المشبوهة” وتعيد رسم خريطة الافتحاص

الملاحظ – محمد الرداف 

في تحرك جديد يعكس تشديد وزارة الداخلية لآليات المراقبة والتتبع، شرعت المفتشية العامة للإدارة الترابية في تحيين برامج الافتحاص والتفتيش بعدد من الجماعات الترابية بمختلف جهات المملكة، واضعة نصب أعينها جماعات ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة المراقبة، رغم توالي الشكايات والتقارير التي تحدثت عن اختلالات في التدبير الإداري والمالي.
وبحسب معطيات متقاطعة، فإن المفتشية تتجه إلى إعادة ترتيب أولويات الافتحاص، من خلال الانتقال من الجماعات التي خضعت سابقا لمهام تفتيش متكررة، نحو جماعات أخرى لم تطلها أي مراقبة منذ أكثر من عقد، وهو ما فتح الباب أمام تراكم شبهات مرتبطة بالتعمير والجبايات المحلية وتدبير الصفقات العمومية وسندات الطلب.

ملفات ثقيلة على طاولة الافتحاص

التحقيقات المرتقبة لن تقتصر على الجوانب الشكلية أو المحاسباتية، بل ستشمل التدقيق في ملفات توصف بـ”الحساسة”، من بينها تدبير رخص التعمير، وكيفية استخلاص الرسوم والضرائب المحلية، إضافة إلى افتحاص صفقات الأشغال والتوريدات التي أثيرت حول بعضها شبهات تتعلق بتفصيل الطلبات على مقاس مقاولات معينة أو تمرير صفقات بطرق ملتوية.

كما يرتقب أن يشمل التدقيق مراجعة برمجة الفوائض المالية داخل بعض الجماعات، خاصة تلك التي جرى توجيهها إلى مشاريع أو نفقات خارج الضوابط القانونية والتنظيمية، إلى جانب التحقيق في ملفات العمال العرضيين والمياومين، بعد تسجيل شكايات تتحدث عن “عمال أشباح” أو تلاعبات في الأجور والتعويضات.

مصادر متابعة للشأن المحلي أكدت أن المفتشية أصبحت تعتمد مقاربة أكثر دقة في جمع المعطيات، من خلال تقاطع التقارير الإدارية والمالية مع الشكايات الواردة من هيئات مدنية ومنتخبين وفاعلين محليين، فضلا عن معطيات مؤسسات الرقابة الأخرى.

العزل دون تنفيذ.. ومطالب بتفعيل القانون

ويأتي هذا التحرك في سياق تصاعد الجدل حول رؤساء جماعات صدرت في حقهم أحكام نهائية بالعزل أو بفقدان الأهلية الانتخابية، دون أن يتم تفعيل المساطر القانونية المرتبطة بعزلهم من مهامهم أو ترتيب الآثار القانونية المترتبة عن تلك الأحكام.
وقد دفعت هذه الوضعية عددا من الهيئات المدنية والمنتخبين إلى رفع تظلمات وشكايات إلى السلطات المختصة، مطالبة بتطبيق صارم لمقتضيات القانون التنظيمي للجماعات الترابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن أي اعتبارات سياسية أو انتخابية.

ويرى متابعون أن استمرار بعض المنتخبين في تدبير جماعات ترابية رغم صدور أحكام نهائية في حقهم، يطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة آليات المراقبة الإدارية، وحدود التفاعل مع تقارير الرقابة والأحكام القضائية.

نهاية “الجماعات المحمية”؟

اللافت في التحرك الجديد، حسب متابعين، هو إعادة إدراج جماعات كانت توصف داخل الأوساط المحلية بـ”المحمية”، بسبب غياب أي افتحاص لمجالسها لسنوات طويلة، رغم حجم الميزانيات التي تدبرها أو كثرة الشكايات المرتبطة بها.

ويعتبر مراقبون أن وزارة الداخلية تسعى، من خلال هذه الدينامية الجديدة، إلى توجيه رسائل واضحة مفادها أن مرحلة التساهل مع اختلالات تدبير الشأن المحلي تقترب من نهايتها، خاصة في ظل تنامي المطالب الشعبية بتخليق الحياة العامة وتعزيز الشفافية داخل الجماعات الترابية.

كما أن تشديد المراقبة على تدبير المال العام المحلي بات يفرض نفسه بقوة، في ظل تنامي الاعتمادات المالية الموجهة للجماعات، وتزايد الانتظارات المرتبطة بتحسين الخدمات الأساسية والبنيات التحتية المحلية.

ربط المسؤولية بالمحاسبة

ويراهن فاعلون في مجال الحكامة المحلية على أن تسفر حملات الافتحاص الجديدة عن ترتيب المسؤوليات واتخاذ قرارات حازمة في حق المتورطين في أي تجاوزات محتملة، سواء تعلق الأمر بخروقات التعمير أو الصفقات أو تدبير الموارد البشرية والمالية.

ويؤكد هؤلاء أن نجاح أي إصلاح حقيقي للجماعات الترابية يظل رهينا بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان خضوع جميع المنتخبين والمسؤولين المحليين لآليات المراقبة نفسها، دون استثناء أو انتقائية.

وفي انتظار نتائج التحقيقات المرتقبة، تبدو العديد من الجماعات الترابية مقبلة على مرحلة دقيقة قد تعيد فتح ملفات ظلت لسنوات حبيسة الرفوف، وسط ترقب واسع لما ستكشفه تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية خلال الأشهر المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist