حين يتحول السؤال الانتخابي إلى مرآة للسياسة… من «الحمام الذي لا يطير» إلى «الضمير الذي لزم السرير »

سألوني عن الانتخابات والأحزاب، فوجدتني أجيب بلغة لا تحتاج إلى صناديق اقتراع ولا إلى برامج انتخابية، بل إلى شيء أبسط وأعمق: الضمير.
قلت لهم: رأيت الحمام لا يطير، والجرار لا يسير، والمصباح لا ينير، والميزان أمره عسير، والكتاب في الجهل أسير، والوردة داستها حوافر الحمير، والسنبلة طلقت القمح والشعير!
قد تبدو هذه الكلمات؛ التي مرت من امامي ؛في ظاهرها مجرد سجع ساخر، لكنها في عمقها تعكس صورة قاتمة عن واقع سياسي أصبح فيه المواطن يسأل عن معنى الانتخابات، وعن جدوى البرامج، وعن مصير الوعود التي تتكرر كلما اقترب موعد الاستحقاقات.
لقد تمردت، في نظر كثير من المواطنين، الماركات السياسية على الضمير، وأصبح الفقير غالباً مجرد رقم في حسابات الحملات الانتخابية، وصوتاً مطلوبا عند الاقتراع، ثم يعود إلى الهامش بعد إغلاق صناديق التصويت.
أما الوفاء، فقد أصبح عند البعض أسيراً للمصلحة، والإصلاح شعاراً يُرفع في الخطب والندوات، بينما يظل المواطن ينتظر أن يرى أثره في حياته اليومية. وكل حزب يتحدث عن التغيير، وكل مرشح يعد بمستقبل أفضل، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين هو هذا التغيير الذي ينتظره الناس؟
لا أحد يعترض على الطموح السياسي، ولا على حق أي مواطن في الوصول إلى المسؤولية، لكن السياسة، في جوهرها، ليست سباقاً نحو المناصب والامتيازات، بل مسؤولية وأمانة وخدمة للصالح العام.
ولذلك، فإن السخرية من الواقع السياسي ليست بالضرورة رفضاً للانتخابات، وإنما هي صرخة في وجه كل ممارسة تجعل من الانتخابات موسماً للوعود، ومن المواطن مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة.
ولعل أكثر ما يؤلم في المشهد هو أن المواطن البسيط، الذي يُطلب منه أن يصبر ويضحي، يرى أحياناً أن بعض الذين يصلون إلى مواقع القرار تتغير حياتهم بسرعة؛ فتتغير سياراتهم، وتتسع بيوتهم، وتتبدل دوائرهم الاجتماعية، بينما يظل هو ينتظر أبسط حقوقه في العيش الكريم.
فهل مات الضمير السياسي؟ أم أنه فقط غاب خلف المصالح والحسابات الانتخابية؟
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من شعارات جديدة ووجوه جديدة. تحتاج إلى سياسة جديدة في معناها الحقيقي، وإلى أحزاب تستعيد ثقة المواطن، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية، وتدرك أن المسؤولية ليست امتيازاً، وأن صوت المواطن ليس شيكاً على بياض.
فالانتخابات ليست مجرد يوم للاقتراع، والأحزاب ليست مجرد علامات تجارية تتنافس على السوق السياسية، والسياسي الحقيقي ليس من يجيد الكلام عن التغيير، بل من يترك أثرا إيجابيا بعد أن تنتهي الانتخابات وتغلق صناديق الاقتراع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختصر كل الأسئلة:
أين هو الضمير؟
فإذا حضر الضمير، استقامت السياسة، وإذا غاب، فلن تنفع كل الشعارات ولا كل البرامج ولا كل الوعود.
أما المواطن، فقد تعب من انتظار «التيسير»، وربما آن الأوان لأن يسمع من السياسيين كلاما أقل… ويرى أفعالا أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist