بقلم: ذ. محمد الرداف
في منعطف دبلوماسي لافت يعكس التحولات المتسارعة داخل أمريكا اللاتينية، أعلنت دولة بوليفيا تعليق اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، بعد أكثر من أربعة عقود من الموقف الداعم للطرح الانفصالي، في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الثنائي نحو إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.
نهاية مرحلة إيديولوجية
يمكن فهم هذا القرار أولاً في سياق تراجع الاصطفافات الإيديولوجية التي طبعت مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية خلال حقبة الحرب الباردة، حيث كانت الاعترافات السابقة مرتبطة بخيارات سياسية يسارية وتوازنات دولية لم تعد قائمة اليوم.
فالتحولات الاقتصادية والبراغماتية الدبلوماسية أصبحت المحدد الرئيسي للسياسات الخارجية، بدل الانتماءات العقائدية التي حكمت قرارات الماضي.
انتصار المقاربة الواقعية
يعكس القرار البوليفي انتقالاً نحو مقاربة أكثر واقعية للنزاع، تقوم على دعم الحلول السياسية العملية تحت إشراف الأمم المتحدة بدل تبني أطروحات أحادية. ويأتي ذلك في ظل اتساع دائرة الدول التي باتت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب إطاراً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع.
كما يشير التحول إلى إدراك متزايد داخل دول الجنوب العالمي لأهمية الاستقرار الإقليمي كشريك أساسي في التعاون الاقتصادي والأمني مع المغرب، الذي عزز حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة.
دينامية دبلوماسية مغربية متصاعدة.
القرار جاء عقب تواصل دبلوماسي بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره البوليفي فرناندو أرامايو، ما يعكس فاعلية الدبلوماسية المغربية القائمة على الحوار المباشر وبناء الشراكات بدل منطق المواجهة.
ويُفهم من هذا التطور أن الرباط نجحت في نقل النقاش الدولي حول القضية من منطق الصراع الإيديولوجي إلى منطق المصالح المشتركة والتنمية جنوب–جنوب، وهو تحول نوعي في إدارة الملف على المستوى الدولي.
رسائل تتجاوز أمريكا اللاتينية
لا يقتصر أثر القرار على العلاقات الثنائية، بل يبعث برسائل أوسع مفادها أن مواقف عدد من الدول أصبحت قابلة للمراجعة في ضوء المتغيرات الدولية الجديدة، خصوصاً مع تنامي الاعتراف بواقعية الحل السياسي وضرورة إنهاء نزاع طال أمده.
كما يعزز هذا التطور الاتجاه الدولي نحو تقليص الاعترافات بالكيان الانفصالي، ما يساهم في إعادة تشكيل التوازن الدبلوماسي داخل المنظمات الإقليمية والدولية.
خلاصة
إن تعليق بوليفيا اعترافها لا يمثل حدثاً معزولاً، بل يعكس تحولاً أعمق في قراءة المجتمع الدولي لملف الصحراء المغربية، حيث تتقدم الواقعية السياسية والمصالح الاستراتيجية على حساب الاصطفافات التاريخية. وهو ما يؤشر على مرحلة دبلوماسية جديدة عنوانها إعادة التموضع الجيوسياسي وبناء التحالفات على أساس الاستقرار والتنمية بدل الشعارات الإيديولوجية.

