وجدة تشعل نجوم فكر السوسيولوجيا الرقمية وتعلن ميلاد أسئلة المستقبل

الملاحظ – سلسبيل كوثر الرايس                

في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات أكثر مما تستطيع المفاهيم القديمة استيعابه، احتضنت مدينة وجدة فعاليات المؤتمر الدولي الأول للسوسيولوجيا الرقمية، المنظم بكلية الطب والصيدلة بجامعة محمد الأول يومي 27 و28 أبريل 2026، تحت شعار كثيف المعنى: “الجامعة والمجتمع نحو بناء اجتماعي لعالم رقمي إنساني مستدام”.

ولم يكن هذا الحدث مجرد تظاهرة أكاديمية عابرة تضاف إلى رزنامة اللقاءات الجامعية، بل بدا أقرب إلى إعلان معرفي جديد مفاده أن العالم تغير فعلا، وأن علم الاجتماع مطالب اليوم بأن يغير عدسته، وأن يعيد ترتيب أسئلته، وأن ينتقل من مراقبة المجتمع في الشارع والمصنع والمؤسسة، إلى مراقبته في المنصة والتطبيق والخوارزمية والبيانات الضخمة.

لقد اجتمع في هذا المؤتمر ثلة من الباحثين والأساتذة والخبراء من جامعات مغربية وعربية ودولية، في مشهد علمي يؤكد أن سؤال الرقمنة لم يعد شأنا تقنيا محضا، بل صار سؤالا حضاريا يمس الإنسان في أعماقه: هويته، ووعيه، وعلاقاته، وتمثلاته، وخياراته، بل وحتى وحدته الداخلية. فالعصر الرقمي لم يأت فقط بأجهزة أسرع وشبكات أوسع، بل جاء أيضا بأنماط جديدة من العيش، وبأنساق جديدة من السلطة وبإيقاع جديد للحياة لا يرحم المترددين.

من المجتمع الواقعي إلى المجتمع الخوارزمي

ما الذي يحدث حين تنتقل السلطة من المؤسسات التقليدية إلى الخوارزميات؟
وما الذي يتغير حين تصبح المنصات الرقمية وسيطا أساسيا بين الإنسان والعالم؟
وهل ما زلنا نختار بحرية، أم أن اختياراتنا باتت تصاغ بصمت داخل أنظمة اقتراح وتوجيه خفية؟

هذه الأسئلة كانت حاضرة بقوة في مختلف جلسات المؤتمر، حيث ناقش الباحثون ظواهر الإدمان الرقمي، وإعادة تشكيل الذات في الفضاء الافتراضي، وتحول العلاقات الاجتماعية من روابط مباشرة إلى تفاعلات رقمية سريعة، وتراجع الحدود بين الخاص والعام، وبين الحقيقي والمصطنع، وبين الإنسان وصورته الإلكترونية.

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش مفارقة حادة: هو الأكثر اتصالا في التاريخ، لكنه في كثير من الأحيان الأقل طمأنينة. يملك آلاف “الأصدقاء” الافتراضيين، لكنه يعاني عزلة متزايدة. يتلقى كما هائلا من المعلومات، لكنه يواجه فقرا في المعنى. يشارك يوميا تفاصيل حياته، لكنه يفقد شيئا فشيئا خصوصيته.

وهنا تظهر أهمية السوسيولوجيا الرقمية، باعتبارها علما لا يكتفي بوصف هذه الظواهر، بل يسعى إلى فهم البنية العميقة التي تنتجها، والكشف عن أشكال الهيمنة الجديدة المختبئة خلف واجهات براقة.

الجامعة حين تواجه أسئلة الزمن الجديد

اختيار شعار المؤتمر لم يكن اعتباطيا فالحديث عن الجامعة والمجتمع في سياق الرقمنة يعني أن المؤسسة الجامعية لم تعد معنية فقط بتخريج الطلبة، بل أصبحت مطالبة بإنتاج وعي نقدي جماعي يواكب التحول الجاري.

فالجامعة اليوم أمام امتحان مزدوج:
إما أن تكون فاعلا في صياغة المستقبل، أو تتحول إلى مؤسسة تشرح عالما انتهى بالفعل.

ومن هنا، جاء المؤتمر ليؤكد أن الجامعة المغربية قادرة على التقاط نبض اللحظة، والانخراط في القضايا الكونية من موقع إنتاج المعرفة لا من موقع الاستهلاك فحين تنظم جامعة محمد الأول هذا اللقاء الدولي، فهي تعلن أن الشرق المغربي ليس هامشا معرفيا بل فضاء قادر على المبادرة والتأثير وصناعة النقاش العلمي الرصين.

موضوعات تكشف عمق التحول

تميز البرنامج العلمي بغنى لافت، إذ توزعت المداخلات على قضايا شديدة الراهنية، من بينها:

* التحولات النفسية والمعرفية في البيئات الرقمية التفاعلية.
* أثر مواقع التواصل الاجتماعي على الشخصية والتماسك الاجتماعي.
* الإدمان الرقمي وتداعياته النفسية والتربوية.
* الإعلام الرقمي وإعادة تشكيل الرأي العام.
* الدين في الفضاء الرقمي وتحولات التدين المعاصر.
* الهجرة والهوية في ظل الوسائط الجديدة.
* أخلاقيات البحث العلمي في زمن الذكاء الاصطناعي.
* الخوارزميات وتأثيرها على السلوك الاستهلاكي والاختيارات الفردية.
* خطاب الكراهية والعنف الرمزي في المنصات الاجتماعية.

وهذا التنوع لا يعكس فقط ثراء البرنامج، بل يكشف أن الرقمنة لم تعد قطاعا مستقلا، بل أصبحت بنية شاملة تتسلل إلى التعليم، والأسرة، والسياسة، والثقافة، والاقتصاد، والدين، والعلاقات الإنسانية.

الإنسان بين الحرية الرقمية والمراقبة الناعمة

من أبرز ما يفرضه العصر الرقمي أن السلطة لم تعد دائما قمعية ومباشرة، بل صارت ذكية ومرنة وغير مرئية. فالمنصات لا تأمرنا، لكنها تقترح علينا. لا تمنعنا، لكنها توجهنا. لا تصرخ في وجوهنا، لكنها تعرف عاداتنا وتفضيلاتنا ونقاط ضعفنا.

وهنا تكمن الخطورة الكبرى: أن الإنسان قد يفقد جزءا من حريته وهو يظن أنه يمارسها بالكامل.
فحين تحدد الخوارزميات ما نقرأ، وما نشاهد، ومن نتابع، وما نشتري، وما نصدق، فإنها لا تنظم المحتوى فقط، بل تعيد تشكيل الإدراك ذاته وهذا ما يجعل السوسيولوجيا الرقمية ضرورة فكرية، لأنها تنقل النقاش من سؤال الاستخدام إلى سؤال السلطة، ومن سؤال التقنية إلى سؤال الإنسان.

من وجدة إلى العالم: صوت علمي من الهامش الذي صار مركزا

في العمق، يحمل انعقاد هذا المؤتمر بمدينة وجدة رسالة رمزية قوية فالمعرفة الحقيقية لا تعترف بالمركز والهامش، بل تعترف بمن يطرح السؤال الصحيح في اللحظة المناسبة. وقد نجحت وجدة في أن تكون، خلال يومين، منصة للتفكير في أحد أكثر موضوعات العصر حساسية وتعقيدا

لقد تحولت المدينة إلى ورشة كبرى للأسئلة:
كيف نؤنسن الرقمنة؟
كيف نحمي المجتمع من الاستلاب الخوارزمي؟
كيف نستثمر الذكاء الاصطناعي دون أن نفقد الذكاء الإنساني؟
كيف نصنع تقدما تقنيا لا يبتلع العدالة الاجتماعية؟

ما بعد المؤتمر: الحاجة إلى مشروع فكري لا مجرد حدث علمي

نجاح المؤتمر لا ينبغي أن يُختزل في جودة التنظيم أو عدد المداخلات، بل في قدرته على فتح مسار طويل الأمد لتأسيس مدرسة بحثية عربية ومغربية في السوسيولوجيا الرقمية. فنحن لا نحتاج فقط إلى ندوات تناقش الظاهرة، بل إلى مشاريع علمية ترصدها، ومخابر تدرسها، ومناهج تُدرّسها، وسياسات عمومية تستوعب نتائجها.

فالعالم يتغير بسرعة مذهلة، ومن لا ينتج المعرفة حول تحولات عصره، سيجد نفسه مجرد مستهلك لمعرفة الآخرين، وخاضعاً لخرائط لم يرسمها.

حين تحدثت الجامعة بلغة المستقبل

لقد أثبت المؤتمر الدولي الأول للسوسيولوجيا الرقمية أن الجامعة حين تصغي لزمنها، تتحول إلى بوصلة للمجتمع. وأن علم الاجتماع، رغم كل التحولات، ما يزال قادرا على قراءة الإنسان حتى وهو يختبئ خلف شاشة.

في وجدة، لم يكن النقاش حول التكنولوجيا فقط، بل حول المصير الإنساني ذاته.
ولم يكن السؤال عن الأجهزة، بل عن القيم.
ولم يكن الحديث عن المستقبل، بل عن كيفية النجاة داخله.

وأخيرا يمكن القول ان انعقاد هذا المؤتمر بمدينة وجدة يحمل دلالة رمزية مشرقة، تؤكد أن المدن العظيمة لا تقاس فقط باتساع عمرانها، بل بقدرتها على احتضان الفكر وصناعة الأسئلة الكبرى. فالمعرفة الحقيقية لا ترتبط بجغرافيا محددة، بل تزدهر حيث تتوافر الإرادة العلمية، وحيث يلتقي الطموح بالرؤية.

وقد أثبتت وجدة، من جديد، أنها مدينة تملك من الحيوية الثقافية والرصيد الأكاديمي ما يجعلها فضاء طبيعيا لاحتضان القضايا الفكرية الراهنة، وأنها قادرة على أن تتحول إلى منارة علمية تشع من الشرق المغربي نحو آفاق أوسع. ففي هذين اليومين، لم تكن وجدة مجرد مدينة تستقبل ضيوفها، بل كانت عاصمة للفكر السوسيولوجي الرقمي، وفضاء نابضا بالحوار والإبداع وتبادل الخبرات.

لقد نجحت المدينة، بما تملكه من عمق حضاري وهدوء ملهم واحتضان مؤسساتي جاد، في أن تقدم صورة مشرقة عن الجامعة المغربية وهي تنفتح على رهانات العصر، وتؤكد أن المغرب يمتلك كفاءات علمية قادرة على مواكبة التحولات الكونية والمساهمة في إنتاج المعرفة حولها.

وهكذا، ارتقت وجدة من مجرد فضاء جغرافي إلى رمز أكاديمي متجدد، يبرهن أن المدن التي تؤمن بالعلم تستطيع أن تصنع مكانتها بجدارة، وأن تتحول إلى منصات دولية للحوار والتفكير في قضايا الإنسان المعاصر.
في شرق المغرب، لم يعقد مؤتمر فقط… بل فتحت نافذة واسعة على القرن القادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist