بقلم: سلسبيل كوثر الرايس
يثير ملف «الفراقشية» نقاشا واسعا حول طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق في المغرب، وحدود فعالية السياسات العمومية الموجهة لدعم القدرة الشرائية. فبين الخطاب الرسمي الذي يؤكد على الطابع الاجتماعي للدولة، والواقع الذي يكشف استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الإحساس بالضغط المعيشي، يطفو سؤال جوهري حول مآلات الدعم العمومي: هل يحقق فعلا أهدافه الاجتماعية، أم أنه يعاد توجيهه عبر مسارات غير مرئية نحو فئات اقتصادية نافذة؟
في هذا السياق، يقدم التحقيق الاستقصائي الذي أنجزته مجلة «ملفات» قراءة نقدية لبنية توزيع الدعم، من خلال تتبع مسارات الاستفادة من اعتمادات مالية ضخمة خصصت لتخفيف آثار الغلاء. ويظهر الملف، وفق معطياته، أن جزءا من هذه الموارد قد يكون قد استفاد منه فاعلون اقتصاديون كبار عبر شبكات الاستيراد والتوزيع، ما يفتح النقاش حول حدود الحكامة الاقتصادية ومدى قدرة الدولة على ضبط السوق.
إن هذه الإشكالية لا تتعلق فقط بخلل تقني في التدبير، بل تمس طبيعة النموذج التنموي نفسه، حيث يتقاطع الاقتصادي بالسياسي داخل شبكة معقدة من المصالح، ما يجعل سؤال العدالة الاجتماعية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
وفي عمق هذا النقاش، يبرز ما يمكن تسميته بـ«الوجه الخفي لتحالف السلطة والمال»، حيث لا يعود الدعم العمومي مجرد سياسة اجتماعية، بل يتحول إلى مجال تتقاطع فيه المصالح وتعاد من خلاله صياغة التوازنات الاقتصادية. فبدل أن يصل أثر الدعم إلى الفئات الهشة بشكل مباشر عبر انخفاض الأسعار، يبدو أن جزءا منه يعاد تدويره داخل شبكات الاستيراد والتوزيع، ما يطرح سؤال الفاعل الحقيقي المستفيد من هذه السياسات.
ومن خلال ما يقدمه ملف «الفراقشية»، يتضح أن إشكال الاحتكار والوساطة الاقتصادية لا ينفصل عن بنية أوسع من العلاقات بين الفاعلين الاقتصاديين ومراكز القرار، حيث تصبح القدرة على النفاذ إلى السوق والامتيازات التنظيمية عاملا حاسما في إعادة إنتاج الثروة والنفوذ. وهنا تتحول الدولة الاجتماعية من مشروع لتقليص الفوارق إلى فضاء معقد تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والمصلحة العامة بالمصالح الخاصة.
غير أن ما يكشفه ملف «الفراقشية» لا يقف عند حدود الأرقام أو اختلالات السوق، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة طبيعة العلاقة بين السلطة الاقتصادية والسياسات العمومية. فكلما اتسعت الهوة بين الخطاب الرسمي حول الدولة الاجتماعية والواقع المعيشي للمواطنين، برزت تساؤلات أكثر حدة حول الجهات المستفيدة فعليا من الدعم العمومي، وحول قدرة الدولة على مواجهة نفوذ اللوبيات الاقتصادية التي أصبحت فاعلا مؤثرا في توجيه السوق والتحكم في الأسعار.
ومن هنا، يتحول النقاش من مجرد أزمة غلاء إلى قضية سياسية واجتماعية تعكس أزمة ثقة أعمق بين المواطن والمؤسسات، وهو ما يجعل هذا الملف يتجاوز طابعه الاقتصادي ليصبح مرآة لاختلالات بنيوية تمس الحكامة والعدالة الاجتماعية معا .
في الوقت الذي كان فيه المغاربة ينتظرون من الدولة الاجتماعية أن تحمي قدرتهم الشرائية وتخفف عنهم وطأة الغلاء، تحولت المليارات المخصصة للدعم العمومي إلى مادة جديدة للجدل والغضب الشعبي. فبينما ترفع شعارات العدالة الاجتماعية والتضامن، تكشف الوقائع أن الأسواق ما تزال تشتعل، وأن المواطن البسيط ظل الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية يبدو أن المستفيد الأكبر منها هم لوبيات الاحتكار والمضاربة.
ملف «الفراقشية» لم يعد مجرد قضية مرتبطة بارتفاع أسعار اللحوم أو الأعلاف، بل أصبح عنوانا لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمال في المغرب. فكيف يمكن تفسير استمرار الغلاء رغم ضخ مليارات الدراهم من المال العام؟ وكيف تحول الدعم، الذي يفترض أن يكون موجها للفئات الهشة، إلى فرصة لتضخم أرباح فئات محدودة تملك النفوذ والقدرة على التحكم في السوق؟
وفي الوقت الذي يئن فيه المغاربة تحت وطأة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، تتكشف ملامح واقع اقتصادي أكثر قسوة مما يظهر في الخطاب الرسمي. فبينما يفترض أن توجه السياسات العمومية لحماية المواطنين من تقلبات السوق، تتعزز في المقابل مواقع فئات محدودة راكمت ثروات ضخمة في زمن الأزمة، فيما تترك الأغلبية تواجه ارتفاع الأسعار وحدها.
ملف «الفراقشية» يضع الإصبع على مفارقة صادمة: كيف يمكن لدعم عمومي بمليارات الدراهم أن لا ينعكس على حياة المواطنين، بل يتحول إلى مصدر تراكم جديد للثروة والنفوذ؟ هنا لا يتعلق الأمر فقط بخلل في التدبير، بل بسؤال أعمق حول طبيعة تداخل السلطة بالمال، وحدود تأثير اللوبيات في توجيه السياسات والأسواق.
وفي هذا المشهد، يصبح الغلاء ليس مجرد نتيجة ظرفية، بل عرضا لبنية اقتصادية وسياسية أكثر تعقيدا، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل النفوذات، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة غير متكافئة.
الأخطر من ذلك أن المواطن بدأ يشعر بأن الدولة فقدت قدرتها على ضبط التوازن بين المصلحة العامة ومصالح اللوبيات الاقتصادية. فكلما ارتفعت الأسعار، ارتفع معها منسوب الشك في جدوى السياسات الحكومية، وتزايد الإحساس بأن بعض الفاعلين الاقتصاديين أصبحوا أقوى من آليات الرقابة والمحاسبة. وهنا لم يعد الحديث عن مجرد اختلال اقتصادي، بل عن أزمة ثقة سياسية وأخلاقية تمس صورة الدولة الاجتماعية نفسها.
إن الدعم العمومي الذي يمول من أموال دافعي الضرائب لا يمكن أن يتحول إلى غطاء غير مباشر لإثراء النافذين، لأن ذلك يفرغ مفهوم العدالة الاجتماعية من معناه، ويجعل الفقر عبئا جماعيا بينما تتحول الأزمات إلى فرص للربح بالنسبة للبعض. فحين يشعر المواطن أن المال العام لا يحميه بل يعمق شعوره بالتهميش، فإن السؤال لم يعد فقط: أين ذهبت المليارات؟ بل أيضا: من يحكم فعلا… الدولة أم اللوبيات؟
وفي النهاية نرى أن ملف «الفراقشية» يعيد طرح سؤال جوهري حول معنى الدولة الاجتماعية في سياق تتداخل فيه السلطة بالثروة، وتتقاطع فيه السياسات العمومية مع منطق المصالح الاقتصادية. فبدل أن يشكل الدعم العمومي آلية لإعادة التوازن الاجتماعي، يبدو أنه في بعض الحالات يتحول إلى مجال لإعادة إنتاج الفوارق، وتعزيز مواقع الفاعلين الأكثر نفوذا داخل السوق.
غير أن قراءة هذا الملف لا تكتمل دون الإشارة إلى قيمته الصحفية والمعرفية، إذ يعكس عملا استقصائيا مهما قام به صحفيون بذلوا جهدا كبيرا في تتبع المعطيات، وجمع الوثائق، وربط خيوط قضية معقدة تتجاوز السطح الاقتصادي إلى عمق البنية السياسية والاجتماعية. فهذا النوع من التحقيقات يساهم في فتح النقاش العمومي، وتعزيز الشفافية، وإعادة طرح الأسئلة الصعبة حول تدبير المال العام، وهو ما يشكل في حد ذاته إضافة نوعية للمشهد الإعلامي.
وبذلك، يبقى الملف دعوة لإعادة التفكير في آليات توزيع الدعم، وتعزيز الرقابة، وضمان ألا يتحول المال العمومي من أداة للعدالة الاجتماعية إلى مورد غير مباشر لتكريس الامتيازات.

