يقدم حزب التقدم والاشتراكية برنامجه الانتخابي من زاوية سياسية واضحة، تقوم على تصور يساري يضع الصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية في صدارة الأولويات، مع الدعوة إلى توسيع الإنفاق العمومي وتمويله من خلال نظام ضريبي أكثر تصاعدية، ومحاصرة الريع والاحتكار والامتيازات غير المنتجة.
ومن أبرز المقترحات التي أثارت الانتباه، فكرة إشراك الأجراء في جزء من أرباح المقاولات، وهي التي دفعت البعض، على سبيل المزاح، إلى التساؤل عما إذا كان الحزب بصدد «إحياء الشيوعية». غير أن الأهم سياسيا ليس الوصف، بل كون البرنامج يحمل بصمة فكرية واضحة يمكن من خلالها تمييز اختيارات الحزب الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الجانب الضريبي، يقترح الحزب رفع سقف الإعفاء من الضريبة على الدخل إلى 60 ألف درهم سنويا، وإقرار معدل هامشي يصل إلى 40 في المائة على الدخول التي تتجاوز 500 ألف درهم سنوياً، إلى جانب خصومات ضريبية مرتبطة بمصاريف الصحة والتمدرس، وفرض ضرائب إضافية على بعض أشكال الثروة غير المنتجة وعلى أنشطة يعتبرها الحزب مرتبطة بالريع والاحتكار، فضلاً عن المنتجات ذات الأضرار الصحية والاجتماعية.
وقد تبدو هذه المقترحات قابلة للنقاش والاختلاف، خصوصا بشأن تأثيرها المحتمل على الاستثمار وسلوك الملزمين وقدرة الإدارة على تحصيل الموارد الضريبية. لكن نقطة القوة الأساسية في البرنامج تكمن في أنه يقدم اختياراته السياسية والمالية بشكل قابل للنقاش والمساءلة.
ويقدر الحزب الكلفة الإضافية لبرنامجه بحوالي 575 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 115 مليار درهم سنوياً، موزعة على قطاعات متعددة، من بينها 47 ملياراً إضافية للصحة، و117 مليارا للتعليم والمعرفة، و124.5 ملياراً للتضامن والشغل، إضافة إلى الصناعة والماء والطاقة والثقافة والرقمنة.
وفي المقابل، يتحدث الحزب عن إمكانية تعبئة حوالي 622 مليار درهم من الموارد الإضافية، من خلال تقليص النفقات الجبائية، ومحاربة الغش والتهرب الضريبي، وتضريب الريع والاحتكار والثروة غير المنتجة، وفرض ضرائب على بعض الأنشطة والمنتجات، فضلاً عن تطور مداخيل الضريبة على الشركات والدخل وترشيد النفقات.
غير أن الأرقام، رغم تفصيلها، لا تخلو بدورها من نقاط تحتاج إلى التدقيق. فالحزب يدرج حوالي 300 مليار درهم تحت مسمى «المرونة الجبائية للاقتصاد»، وهو رقم يستوجب بدوره تفسيراً دقيقاً، خصوصاً لمعرفة مدى استقلاله عن الموارد المتوقع تحصيلها من رفع الضرائب وتوسيع الوعاء ومحاربة التهرب.
وهنا تبرز أهمية المقارنة مع البرامج الانتخابية الأخرى؛ فحين تقدم الأحزاب أرقاماً لتكلفة وموارد برامجها، فإن المطلوب ليس التصفيق لها أو رفضها مسبقاً، وإنما إخضاعها للتحليل والمساءلة الاقتصادية.
وفي النهاية، قد تكون بعض حسابات حزب التقدم والاشتراكية قابلة للنقد أو التصحيح، وقد يختلف الخبراء حول فرضياتها ومردوديتها، لكن تقديم تفاصيل أكثر حول مصادر التمويل يجعل البرنامج قابلاً للفحص والنقاش بدل الاكتفاء بالشعارات العامة.
وهذا تحديداً ما ينبغي أن يكون عليه البرنامج الانتخابي: اختيارات واضحة، أرقام معلنة، ومصادر تمويل قابلة للمساءلة أمام الناخبين.

