ترددت كثيرا قبل كتابة هذا العمود الصحفي حتى لا افهم غلط ؛مع كثرة اللغط قلت لاباس اعطي رايي في الموضوع ؛ شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس 24 شتنبر، مشهداً لافتا مع انسحاب عشرات الوفود عند شروع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إلقاء كلمته، احتجاجاً على مواقف حكومته تجاه الحرب في غزة. وتشير تقارير إلى أن نحو 70 إلى 77 وفداً غادر القاعة أو ترك مقاعده شاغرة.
المشهد، من حيث الرسالة السياسية والرمزية، كان واضحا: جزء كبير من المجتمع الدولي أراد أن يقول إن الاستماع إلى نتنياهو في تلك اللحظة ليس أمرا عاديا، خصوصا في ظل استمرار الحرب والانتقادات الدولية الواسعة للسياسة الإسرائيلية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من انسحب ومن بقي؟ بل: ماذا بعد الانسحاب؟
فالمفارقة أن بعض الدول التي اختارت عدم الاستماع إلى خطاب نتنياهو تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية أو اقتصادية بدرجات مختلفة، فيما اختارت دول أخرى، مثل الإمارات، البقاء داخل القاعة. وقد أكد تقرير إسرائيلي أن الوفد الإماراتي بقي في مكانه، في حين كانت دول أخرى مرتبطة باتفاقات وعلاقات مع إسرائيل ضمن الوفود التي غادرت أو غابت.
وهنا يصبح النقاش أكثر تعقيدا.
هل مقاطعة خطاب نتنياهو الذي يتكرر كل سنة تعني فعلا موقفا سياسيا متكاملا؟ أم أنها مجرد رسالة رمزية داخل قاعة الأمم المتحدة؟
الدبلوماسية بطبيعتها لا تقوم دائما على القطيعة. فالدول قد تختلف بشدة مع حكومة معينة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات الاتصال والعلاقات التجارية والدبلوماسية معها، لأن هذه العلاقات قد تستخدم أيضاً للضغط أو التفاوض أو الوساطة.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المواقف الرمزية إلى بديل عن السياسة الفعلية.
فمن الصعب إقناع الرأي العام بأن الخروج من قاعة الأمم المتحدة يمثل موقفاً حاسماً إذا كانت العلاقات الدبلوماسية والتجارية مستمرة من جهة أخرى. وفي المقابل، لا يمكن اعتبار بقاء وفد في القاعة، بمفرده، دليلاً على تأييد سياسات الحكومة الإسرائيلية؛ فقد يكون جزءاً من حسابات دبلوماسية أوسع.
والأمر نفسه ينطبق على مصر وتركيا وغيرهما. فالعلاقات بين الدول لا تختزل في صورة مصافحة أو مقاطعة خطاب. مصر، مثلاً، تواصل لعب أدوار دبلوماسية في ملفات المنطقة، بينما شهدت العلاقات المصرية-التركية خلال 2026 توسعاً في التعاون الاقتصادي والتجاري؛ فقد أعلنت القاهرة وأنقرة هدف رفع حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار بحلول 2028.
لذلك، فإن المشكلة الحقيقية ليست في الانسحاب من خطاب نتنياهو؛ فمن حق أي دولة أن تختار الطريقة التي تعبّر بها عن رفضها. المشكلة في أن تتحول السياسة الخارجية إلى مجموعة من الصور والمشاهد المنفصلة عن بعضها، بحيث يكون هناك موقف قوي أمام الكاميرات، وعلاقات مختلفة تماماً خلف الأبواب المغلقة.
ومن الإنصاف أيضا تصحيح بعض التفاصيل المتداولة: الأردن كان ضمن الدول التي غاب وفدها أو شارك ممثلوها في الانسحاب بحسب تقارير متعددة، وليس من الدقيق وضعه ببساطة ضمن الدول التي “بقيت للاستماع” إلى نتنياهو. أما الإمارات فكانت من أبرز الدول العربية التي بقي وفدها داخل القاعة.
في النهاية، مقاطعة خطاب نتنياهو قد تكون رسالة سياسية مؤثرة، لكنها تظل لحظة عابرة ما لم تتحول إلى سياسة واضحة ومستمرة.
فالشارع العربي لا يريد فقط أن يرى وفداً يغادر قاعة الأمم المتحدة؛ بل يريد أن يفهم: ما هي السياسة التي تترجم هذا الانسحاب؟ وما هي الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية التي ستأتي بعده؟
وهنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا:
هل نحن أمام مواقف مبدئية متكاملة، أم أمام دبلوماسية تُرضي الكاميرات في لحظة، وتحافظ على المصالح في لحظة أخرى؟
قد يكون المشهد في نيويورك محرجا لنتنياهو، وهذا أمر واضح من حجم الانسحاب. لكن الاختبار الحقيقي للمواقف لا يكون في لحظة التصوير، وإنما في ما تفعله الدول عندما تنطفئ الكاميرات.

