من أضواء المسرح إلى عتمة فرين هكذا بدأت أيام سعد لمجرد خلف أسوار السجن الفرنسي

في مكان لا تصل إليه أضواء المسارح، ولا تتردد بين جدرانه أصوات الجمهور، أُغلقت صباح السبت أبواب مركز «فرين» خلف الفنان المغربي سعد لمجرد. هناك، في جنوب باريس، حيث تمتد الأسوار العالية وتتشابه الممرات وتثقل الأبواب الحديدية، بدأت مرحلة جديدة من حياة الفنان الذي اعتاد أن تكون الأضواء في انتظاره.

قبل سنوات، كان اسم سعد لمجرد يرتبط بالخشبة، بالموسيقى، وبجمهور يردد أغانيه في مدن مختلفة. أما الآن، فقد أصبح المكان مختلفاً تماماً؛ زنزانة، ممرات مراقبة، نظام سجني صارم، وأيام تمضي بإيقاع لا يشبه إيقاع الحفلات التي صنعت شهرته.

فصباح 26 شتنبر 2026، دخل لمجرد مركز «فرين» لتنفيذ عقوبة سجنية مدتها عشر سنوات، عقب الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف الفرنسية في قضية لورا بريول. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد «فرين» مجرد اسم لمؤسسة سجنية على مشارف باريس، بل صار العنوان الذي ارتبط بأكثر مراحل مساره القضائي ثقلاً.

وخلف هذه الأبواب الحديدية، لا يجد الفنان المغربي نفسه داخل سجن عادي فحسب، بل داخل مؤسسة تحمل في جدرانها أكثر من قرن من التاريخ، شهدت خلاله وجوهاً مختلفة للسجن الفرنسي، من معتقلي الحرب والمقاومين خلال الاحتلال النازي، إلى المحكومين في قضايا جنائية وسياسية، وصولاً إلى واقع الاكتظاظ والتحديات الأمنية التي تواجه المؤسسة اليوم.

كما شُيد مركز «فرين» بين عامي 1895 و1898 في إقليم فال دو مارن، وفق تصميم المهندس هنري بوسيل، بهدف تعويض عدد من السجون القديمة في باريس. واعتمدت المؤسسة منذ البداية هندسة تقوم على محور مركزي تتفرع منه أجنحة الزنازين، وهو التصميم المعروف باسم «تلفون بول»، والذي أصبح لاحقاً أحد النماذج البارزة في هندسة السجون.

لكن وراء هذا البناء التاريخي، تختبئ تفاصيل أكثر قسوة. فالمؤسسة التي تبلغ طاقتها الاستيعابية نحو 1603 أماكن، عرفت خلال السنوات الأخيرة ضغطاً كبيراً على مرافقها. وفي سنة 2025، بلغ عدد المعتقلين في جناح الرجال 2008 سجناء، ما جعل الاكتظاظ واحداً من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة.

وبين هذه الأرقام، تختفي تفاصيل الحياة اليومية للسجناء. أكثر من نصف النزلاء كانوا يتقاسمون الزنزانة مع معتقل آخر، بينما كان نحو ثلثهم يقيمون في زنازين تضم ثلاثة أشخاص. لذلك، فإن لمجرد، بحسب الجناح الذي سيودع فيه ونظام الاعتقال المعتمد في حقه، قد يجد نفسه في زنزانة مشتركة، بعيدا عن الحياة الخاصة التي اعتادها خارج الأسوار.

بحيث لا يحمل «فرين» ذاكرة السجن فقط، بل يحمل أيضا صفحات ثقيلة من تاريخ فرنسا. خلال الاحتلال النازي، احتجز داخله مقاومون فرنسيون وأعضاء في شبكات مرتبطة بالحلفاء، وشهدت المؤسسة عمليات تعذيب وإعدامات. وبعد تحرير البلاد، ارتبط اسمها بمحاكمة متعاونين مع نظام فيشي، كما شهدت تنفيذ أحكام بالإعدام، قبل أن تلغي فرنسا هذه العقوبة سنة 1981.

واليوم، تواجه المؤسسة تحديات من نوع آخر، من بينها محاولات إدخال المخدرات والهواتف المحمولة، أحيانا عبر طائرات مسيرة أو بإلقاء الممنوعات من خارج الأسوار. وهي تحديات دفعت السلطات الفرنسية إلى تعزيز إجراءات المراقبة والتدابير الأمنية داخل محيط السجن.

أما الطريق الذي قاد سعد لمجرد إلى «فرين»، فيعود إلى أكتوبر 2016، عندما اتهمته لورا بريول بالاعتداء الجنسي والعنف داخل فندق في باريس. وبعد مسار قضائي طويل، أدانته محكمة الجنايات الفرنسية في فبراير 2023 وحكمت عليه بالسجن ست سنوات، قبل أن ترفع محكمة الاستئناف العقوبة إلى عشر سنوات.

ثم في ملف قضائي آخر يعود إلى صيف 2018 بمنطقة سان تروبيه، صدر بحق لمجرد حكم ابتدائي بالسجن خمس سنوات، بينما لا يزال هذا الملف خاضعا لإجراءات الطعن أمام الجهات القضائية المختصة.

في الختام  يجد الفنان المغربي نفسه اليوم أمام فصل مختلف تماما من قصته؛ فصل لا تفتح أبوابه على خشبة مسرح، ولا تنتهي مشاهده بتصفيق الجمهور، بل يبدأ خلف أسوار «فرين»، حيث يمر الوقت ببطء، وتتحول الأضواء التي لازمته لسنوات إلى ذكرى بعيدة خلف أبواب السجن.

الصورة مأخوذة من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

24 ساعة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist