لم يكن مشهد النواصر مجرد زلة لسان أو لحظة غضب عابرة، بل كشفا فاضحا لطريقة اشتغال السلطة داخل العدالة والتنمية.
عبد الإله بنكيران، بصفته الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لم يناقش سعد الدين العثماني في موقفه داخل أجهزة الحزب، ولم يفتح نقاشا مؤسساتيا حول خلافه معه، بل اختار لغة الأوامر: «الزم بيتك… وشد تيقارك»، ثم اتهمه بـ«التشويش على الإخوان» ودعاه إلى العودة إلى الشؤون العلمية.
المفارقة أن الحديث هنا ليس عن عضو عابر، بل عن أمين عام سابق ورئيس حكومة سابق؛ أي عن أحد أبرز الوجوه التي صنعت تاريخ الحزب نفسه.
الأخطر أن المشهد يطرح سؤالا أكبر: أين انتهت لغة المؤسسة وبدأ منطق الزعيم؟ فحين يصبح الخلاف مع الأمين العام السابق مناسبة لإصدار أحكام علنية وإبعاده من المشهد، دون نقاش تنظيمي واضح أو حق في الرد، فإن المشكلة لم تعد في شخص العثماني، بل في الثقافة السياسية التي يراد فرضها داخل الحزب.
والرسالة التي تصل إلى باقي الكوادر واضحة وقاسية: إما أن تساير المزاج القيادي، أو تصبح مشوشا يستحق أن يقال له: الزم بيتك.
أما أخطر ما في القصة فهو ملف التطبيع. فبدل تحمل المسؤولية السياسية كاملة عن مرحلة كان فيها العثماني أمينا عاما ورئيسا للحكومة، يجري اليوم التعامل معه وكأنه كبش فداء جاهز لتحميله وحده تبعات قرار لا يمكن اختزاله في شخص واحد.
هكذا يتحول الكادر الذي كان بالأمس جزءاً من القيادة إلى متهم، ويتحول الماضي المشترك إلى عبء يراد التخلص منه.
الأمانة العامة ليست ملكية شخصية، والكوادر ليست رعايا. وإذا كانت «شد تيقارك» هي اللغة الجديدة لحسم الخلافات، فالمشكلة لم تعد في العثماني، بل في حزب يرفع شعار المؤسسة بينما يتصرف بعض قيادييه بمنطق: أنا أقرر وأنتم تصمتون.

